الجوهر - لازم له لا جنس على الوجه الذي أومأنا إليه، ويقع أيضا تحت المضاف - لا على أن الإضافة جوهره أو داخلة في ماهيته - بل على أنها لازمة له. فالفصل ليس يحتاج في انفصاله عن النوع إلى فصل آخر، وليس يحتاج في انفصاله عن الأشياء المشاركة له في الوجود وسائر اللوازم إلى معنى غير نفس ماهيته، وليس يجب أن يقع لا محالة تحت ما هو أعم منه وقوع النوع تحت الجنس، بل قد يقع وقوع الملزوم الأخص تحت اللازم الذي لا يدخل في الماهية. وأما إذا أخذت الفصل كالنطق مثلا، فإنما يجب أمثاله في فصول الأشياء المركبة. فإن عنيت بالنطق كونه ذا نفس ناطقة كان من المعاني المؤلفة من نسبة وجوهر، على ما علمت من حكمه في مواضع أخرى. وإن عنيت نفس النفس الناطقة كانت جوهرا وكانت جزء جوهر مركب تخالفه بالفصل الواقع بين البسيط والمركب في الجواهر، على نحو ما تحققت كثيرا. ولنرجع الآن إلى المقدمات التي في الشك، فنقول: أما المقدمة القائلة إن الفصل لأنه معنى من المعاني فإما أن يكون أعم المحمولات، وإما أن يكون معنى واقعا تحت أعم المحمولات، فمسلمة. وأما الأخرى وهي قائلة إن كل ما هو أعم المحمولات فهو مقولة كذب، وإنما المقولة أعم المحمولات الجنسية المقومة للماهية لا التي هي أعم المحمولات، وليس تقوم ماهية كل ما تحتها، بل تلزم الأشياء. والقائلة الأخرى إن كل ما هو واقع تحت معنى أعم منه فهو مفصل عما يشاركه فيه بفصل يختص به، كاذبة. لأن المشاركات إذا كانت مشاركة في اللازم دون المعنى الداخل في الماهية، لم يكن الانفصال عنها بفصل بل بمجرد الماهية. فتعين بعد هذا أنه لا يجب أن يكون لكل فصل فصل. ويجب أن يعلم أن الذي يقال من أن فصول الجوهر جوهر، وفصول الكيف كيف، معنى ذلك، أن فصول الجوهر يلزم أن تكون جوهرا، وفصول الكيف يلزم أن تكون كيفا، لا أن فصول الجوهر يوجد في مفهوم ماهياتها حد الجوهر على أنها جواهر في أنفسها، وفصول الكيف يود في ماهياتها حد الكيف على أنها كيفية. إلا أن نعني بفصول الجواهر مثلا لا الفصل المقول على الجوهر بالتواطؤ، بل الفصل المقول عليه بالإشتقاق؛ أعني لا الناطق بل النطق، فيكون حينئذ ما علمت ويكون فصلا بالإشتقاق لا بالتواطؤ، والفصل الحقيقي الذي يقال بالتواطؤ. وليس يجب إذا كان الفصل الذي بالتواطؤ موجودا، أن يكون أيضا الفصل الذي بالإشتقاق موجودا إنما يكون هكذا لا في كل ما هو نوع، بل فيما هو نوع جوهري دون الأنواع العرضية، وليس
Page 117