Sharh Thalathat al-Usul by Salih al-Fawzan
شرح ثلاثة الأصول لصالح الفوزان
Publisher
مؤسسة الرسالة
Edition Number
الأولى-١٤٢٧ هـ
Publication Year
٢٠٠٦ م
Genres
1 / 7
1 / 8
1 / 9
[١] ابتدأ ﵀ هذه الرسالة بالبسملة اقتداء بكتاب الله ﷿، فإن أول ما يقع عليه بصرك في المصحف وقبل كل سورة منه " بسم الله الرحمن الرحيم ". فالبداءة بها في الرسائل وفي الكتب وفي المؤلفات اقتداء بكتاب الله ﷿، وكذلك النبي ﷺ كان يكتبها في أول رسائله حينما يكتب إلى الأمراء والرؤساء وإلى من في أقطار الأرض يدعوهم إلى الإسلام يبدأ كتابته " ببسم الله الرحمن الرحيم ". وكان ﷺ يفتتح أحاديثه وكلامه " ببسم الله الرحمن الرحيم " مما يدل على أن البداءة " ببسم الله الرحمن الرحيم " سنة الرسول ﷺ، كما أن سليمان ﵇ لما كتب إلى بلقيس ملكة سبأ بدأ كتابه " ببسم الله الرحمن الرحيم ": ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٢٩ - ٣١] ينبغي
1 / 11
1 / 12
[٢] قوله: اعلم: كلمة تشير إلى الاهتمام بالموضوع فإذا قال اعلم: فمعناه أن الأمر الذي سيلقيه عليك أمر مهم، فهذه الكلمة تدل على أهمية الموضوع التي يبدأ بها فيه. ومعنى اعلم: فعل أمر من العلم، أي تعلم، والعلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع أو تصور الشيء على طبق الواقع. وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع أو تصور الشيء على خلاف الواقع فهو الجهل وهو ضد العلم. قوله: رحمك الله: هذا دعاء لطالب العلم، فالشيخ يدعو لطلبة العلم بأن يرحمهم الله، وأن يلقي عليهم رحمته ﷾ فهذا فيه التلطف من المعلم بالمتعلم، وأنه يبدأ بالكلام الطيب والدعاء الصالح حتى يؤثر ذلك فيه، ويقبل على معلمه.
1 / 13
1 / 14
يريدون الحق بل يريدون تضليل الناس فهؤلاء يخاطبون بما يليق بهم. أما الطالب المسترشد فهذا يخاطب بالرفق والرحمة واللطف؛ لأنه يريد الحق ويريد العلم والفائدة. قوله: اعلم رحمك الله: دعاء لك بالرحمة، فإذا رحمك الله فإنك تكون سعيدا بها في الدنيا والآخرة. إذا دخلت في رحمة الله، وهذا دعاء ومن عالم جليل ورجل صالح يرجى له القبول إن شاء الله. [٣] قوله: يجب: الواجب: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، والمستحب: هو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، والمباح: لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه. فقوله: يجب: يعني أن هذا الأمر ليس من المستحب، ولا من المباح بل هو من الواجب العيني. فإذا تركنا تعلم هذه المسائل فإننا نأثم لأن هذا شأن الواجب، لم يقل يستحب لنا أو يستحسن لنا بل قال يجب علينا وجوبا، والوجوب معناه الحتم، من تركه يأثم، ولأن العلم لا يحصل عليه إلا بالتعلم، والتعلم يحتاج إلى
1 / 15
عناية وجهد ووقت، ويحتاج إلى فهم وإلى حضور قلب، هذا هو التعلم. قوله: أربع مسائل: يعني مباحث، سميت مسائل لأنها يجب أن يُسأل عنها وأن يُعنى بها. [٤] قوله: العلم: المراد بالعلم هنا هو العلم الشرعي؛ لأنه هو الذي يجب تعلمه، وهذه المسائل يجب تعلمها على كل مسلم من ذكر أو أنثى أو حر أو عبد أو غني أو فقير أو ملك أو صعلوك، كل مسلم يجب عليه أن يتعلم هذه المسائل الأربع. وهذا ما يسميه العلماء بالواجب العيني، وهو الذي يجب على كل أحد من المسلمين، فالصلوات الخمس على الرجال والنساء، وصلاة الجماعة في المساجد على الرجال هذا واجب على كل فرد من المسلمين أن يتعلمها؛ ولذلك قال: يجب علينا، ولم يقل: يجب على بعضنا، وإنما قال: يجب علينا، يعني معشر المسلمين، فهذا من العلم الذي يجب تعلمه على الأعيان؛ لأن العلم على قسمين: الأول: ما يجب تعلمه على الأعيان، فلا يعذر أحد بجهله وهو ما لا يستقيم الدين إلا به، مثل أركان الإسلام
1 / 16
1 / 17
1 / 18
1 / 19
1 / 20
[٥] قوله: وهو معرفة الله: كيف يعرف العبد ربه؟ يعرفه بآياته ومخلوقاته فمن آياته الليل والنهار، ومن مخلوقاته الشمس والقمر، كما يأتي بيان هذا إن شاء الله. يعرف الله بآياته الكونية وآياته القرآنية. إذا قرأ القرآن، عرف الله ﷾ أنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنه هو الذي سخر ما في السماوات والأرض، وأنه هو الذي يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأنه الرحمن الرحيم. فالقرآن يعرف بالله ﷿، وأنه هو الذي أنعم علينا بجميع النعم، وأنه هو الذي خلقنا ورزقنا، فإذا قرأت القرآن عرفت ربك ﷾ بأسمائه وصفاته وأفعاله. وإذا نظرت في الكون عرفت ربك ﷾ أنه هو الذي خلق هذا الخلق، وسخر هذا الكون وأجراه بحكمته وعلمه ﷾، هذا هو العلم بالله ﷿. قوله: ومعرفة نبيه: هو محمد ﷺ لأنه هو المبلغ عن الله ﷿، وهو الواسطة بيننا وبين الله ﷿ في تبليغ الرسالة، لا بد أن تعرفه، تعرف من هو؟ وتعرف نسبه
1 / 21
وتعرف بلده، وتعرف ما جاء به ﷺ، تعرف كيف بدأه الوحي؟ وكيف قام بالدعوة إلى الله ﷿ في مكة والمدينة، تعرف سيرة الرسول ﷺ ولو باختصار. الرسول ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف إلى آخر النسب النبوي الذي ينتهي إلى إبراهيم ﵊، وتعرف كيف عاش قبل البعثة، وكيف جاء الوحي من الله ﷿، وماذا عمل ﵊ بعد بعثته، تعرف ذلك بدراسة سيرته ﷺ ولا يليق بالمسلم أن يجهل الرسول ﷺ كيف تتبع شخصا وأنت لا تعرفه؟ ! هذا غير معقول. [٦] قوله: معرفة دين الإسلام: الذي هو دين هذا الرسول ﷺ بل هو دين الله ﷿ الذي أمر به عباده، والذي أمرك باتباعه وأنت مطالب به لا بد أن تعرف هذا الدين والإسلام هو دين جميع الرسل، كل الرسل دينهم الإسلام بالمعنى العام، فكل من اتبع رسولا من الرسل فهو مسلم لله ﷿ منقاد له، موحد له، هذا الإسلام بمعناه العام، إنه دين الرسل جميعا، فالإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله.
1 / 22
أما الإسلام بمعناه الخاص فهو الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ لأنه بعد بعثة الرسول ﷺ لا دين إلا دينه ﵊، والإسلام انحصر في اتباعه ﷺ فلا يمكن لليهودي أن يقول: أنا مسلم، أو النصراني يقول: أنا مسلم، بعد بعثة النبي ﷺ وهو لا يتبعه، فالإسلام بعد بعثة النبي هو اتباعه ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] هذا هو الإسلام بمعناه العام وبمعناه الخاص. [٧] قوله: بالأدلة: لا بالتقليد وإنما بالأدلة من القرآن ومن السنة هذا هو العلم. قال ابن القيم في الكافية الشافية: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم أولو العرفان ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين النصوص وبين رأي فلان هذا هو العلم، العلم هو علم الكتاب والسنة، أما أقوال العلماء فهي تشرح وتوضح فقط كلام الله وكلام رسوله ﷺ
1 / 23
وقد يكون فيها أو في بعضهما خطأ، والأدلة ليست كلام العلماء إنما الأدلة هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأما كلام العلماء فهو شارح وموضح ومبين لذلك لا أنه دليل في نفسه. هذه هي المسألة الأولى وهي الأساس، بدأ بها الشيخ ﵀ لأنها هي الأساس وإنما يُبدأ بالعقيدة وبالأساس بالتعلم والتعليم والدعوة إلى الله ﷿، يبدأ بالعقيدة لأنها هي الأصل وهي الأساس. [٨] قوله: العمل به: أي بالعلم لأنه لا يكفي أن الإنسان يعلم ويتعلم بل لا بد أن يعمل بعلمه، فالعلم بدون عمل إنما هو حجة على الإنسان، فلا يكون العلم نافعا إلا بالعمل، أما من عَلِمَ ولم يعمل فهذا مغضوب عليه؛ لأنه عرف الحق وتركه على بصيرة. والناظم يقول: وعالم بعلمه لم يعملن ... معذب من قبل عباد الوثن
1 / 24
1 / 25
علم الضالين، والذين يعلمون ولا يعملون بالمغضوب عليهم، فلنتنبه لذلك فإنه مهم جدا. [٩] قوله: الدعوة إليه، أي لا يكفي أن يتعلم الإنسان ويعمل في نفسه، ولا يدعو إلى الله ﷿، بل لا بد أن يدعو غيره فيكون نافعا لنفسه ونافعا لغيره، ولأن هذا العلم أمانة، ليس بملك لك تختزنه وتحرم الناس منه، والناس بحاجة إليه، فالواجب عليك التبليغ والبيان ودعوة الناس إلى الخير، هذا العلم الذي حملك الله إياه ليس وقفا عليك؛ وإنما هو لك ولغيرك، فلا تحتكره على نفسك وتمنع الناس من الانتفاع به، بل لا بد من تبليغه ولا بد من بيانه للناس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . هذا ميثاق أخذه الله على العلماء أن يبينوا للناس ما علمهم الله من أجل أن ينشروا الخير، ويخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، وهذا عمل الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ومن اتبعهم، قال تعالى:
1 / 26
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] هذه طريقة الرسول ﷺ وطريقة أتباعه، العلم والعمل والدعوة إلى الله ﷿، «فمن لم يدع وهو قادر على الدعوة وعنده وكتمه، فإنه يلجم بلجام من نار يوم القيامة» كما في الحديث. [١٠] قوله: الصبر على الأذى فيه: معلوم أن من دعا الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فإنه سيتعرض للأذى من الأشرار؛ لأن كثيرا من الناس لا يريدون الخير بل يريدون الشهوات والمحرمات والأهواء الباطلة، فإذا جاء من يدعوهم إلى الله ويردهم عن شهواتهم فلا بد أن يكون
1 / 27