696

Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

قوله: "وهي إما فرض" حصر العزيمة في الفرض والواجب والسنة والنفل يعني قبل ورود الرخصة, وأما بعده فقد تكون العزيمة حراما كصوم المريض إذا خاف الهلاك, فإن تركه واجب فعلى هذا لا تكون العزيمة قبل ورود الرخصة مباحا, ولا حراما, ولا مكروها أما الأول فلأنها لو كانت مباحا لكانت الرخصة أيضا مباحا وحينئذ لا يكون أحدهما أصليا والآخر مبنيا على أعذار العباد, وأما الثاني والثالث فلأن الحكم الأصلي لو كان حرمة, أو كراهة لكان الطرف المقابل في أصله وجوبا أو ندبا, وهو لا يصلح للابتناء على أعذار العباد إذ المناسب للعذر, هو الترفيه والتوسعة لا التضييق, فلا يكون رخصة, فلا يكون الحكم الأصلي الذي هو الحرمة, أو الكراهة عزيمة; لأنها إنما تكون في مقابلة الرخصة فالحاصل أن الطرف الذي تعلق به العزيمة لا بد وأن يكون راجحا على الطرف الآخر الذي تتعلق به الرخصة لا مساويا له ليكون مباحا, ولا مرجوحا ليكون حراما أو مكروها والراجح إما فرض, أو واجب, أو سنة, أو نفل كذا ذكره المصنف رحمه الله تعالى. وفيه نظر أما أولا: فلأنا لا نسلم أن العزيمة لو كانت إباحة لكانت الرخصة أيضا كذلك لجواز أن يكون وجوبا, أو ندبا إذ العذر قد يناسبه الإيجاب كأكل ماله عند خوف تلف نفسه, وأما ثانيا فلأنا لا نسلم أن العزيمة لو كانت حرمة, أو كراهة لكان الطرف الآخر وجوبا, أو ندبا لجواز أن يكون إباحة كما في إجراء كلمة الكفر على اللسان, فإنه حرام ويباح عند الإكراه. وكثير من الرخص بهذه المثابة, ولو سلم فلا نسلم أن الوجوب, أو الندب لا يناسب الابتناء على الأعذار كوجوب أكل الميتة عند لكن حقه يفوت صورة له ومعنى وحق الله تعالى لا يفوت معنى؛ لأن قلبه مطمئن بالإيمان فله أن يجري على لسانه وإن أخذ بالعزيمة وبذل نفسه حسبة في دينه فأولى، وكذا الأمر بالمعروف وأكل مال الغير والإفطار ونحوه من العبادات.

والثاني: ما استبيح مع قيام المحرم دون الحرمة كإفطار المسافر رخص بناء

"أما الأول" أي الذي هو رخصة حقيقة, وهو أحق بكونه رخصة من الآخر "فما استبيح مع قيام المحرم والحرمة كإجراء كلمة الكفر مكرها" أي بالقتل, أو القطع "فإن حرمة الكفر قائمة أبدا"; لأن المحرم للكفر, وهو الدلائل الدالة على وجوب الإيمان قائمة فتكون حرمة الكفر قائمة أبدا أيضا "لكن حقه" أي حق العبد "يفوت صورة له ومعنى وحق الله تعالى لا يفوت معنى; لأن قلبه مطمئن بالإيمان فله أن يجري على لسانه وإن أخذ" بالعزيمة وبذل نفسه حسبة في دينه فأولى, وكذا الأمر بالمعروف وأكل مال الغير والإفطار ونحوه من العبادات أي إذا أكره على أكل مال الغير, أو على الإفطار في رمضان, أو أكره على ترك الصلاة ونحوها ففي هذه الصور له أن يعمل بالرخصة حقيقة لكن إن أخذ بالعزيمة وبذل نفسه فأولى.

"والثاني" أي الذي هو رخصة حقيقة لكن الأول أحق منه بكونه رخصة "ما استبيح مع قيام المحرم دون الحرمة كإفطار المسافر" فإن المحرم للإفطار, وهو شهود الشهر قائم لكن حرمة الإفطار غير قائمة "رخص بناء على سبب تراخي حكمه" فالسبب شهود الشهر والحكم وجوب الصوم وقد تراخى لقوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} "والعزيمة أولى عندنا لقيام السبب ولأن في العزيمة نوع يسر لموافقة المسلمين". هذا دليل آخر على أن العزيمة أولى وتقريره أن العمل بالرخصة وترك العزيمة إنما شرع لليسر واليسر حاصل في العزيمة أيضا فالأخذ بالعزيمة موصل إلى ثواب يختص بالعزيمة ومتضمن ليس يختص

...................................................................... ..........................

الاضطرار, أو ندب إفطار المريض عند بعض الأضرار لا يقال: العزيمة في جميع ذلك ترجع الوجوب كوجوب ترك إجراء كلمة الكفر ووجوب ترك أكل الميتة ونحو ذلك, فإن الفرض قد يكون هو الفعل كالصوم, وقد يكون هو الترك كترك إجراء كلمة الكفر وأكل الميتة; لأنا نقول هذا تأويل لا ضرورة إليه ومع ذلك, فهو غير مفيد; لأن الكلام في حكم إجراء كلمة الكفر وأكل الميتة, ولا شك أنه الحرمة لا الوجوب واستلزامه لوجوب الترك لا ينفي كونه الحرمة وإلا لارتفعت الحرمة من بين الأحكام. والحق أن العزيمة تشتمل الأحكام كلها على ما قال صاحب الميزان بعد تقسيم الأحكام إلى الفرض والواجب والسنة والنفل والمباح والحرام والمكروه وغيرها إن العزيمة اسم للحكم الأصلي في الشرع على الأقسام التي ذكرنا من الفرض والواجب والسنة والنفل ونحوها.

Page 266