Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
قوله: "ذكر القائلون بتخصيص العلة" في هذا المقام أقسام المانع وهي ثلاثة لكنهم لما أخذوا في تعداد الموانع أوردوا فيها المانع من انعقاد العلة ومن تمامها وإن لم يكونا من قبيل المانع المعتبر في تخصيص العلة وهو ما يمنع الحكم بعد تحقق العلة والمصنف رحمه الله غير عبارتهم وعبر عن موانع الحكم بموجبات عدم الحكم ليشمل المانع عن الحكم وعن العلة انعقادا أو تماما, والعمدة في أقسام المانع هو الاستقراء والمذكور في التقويم أربعة; لأنه إن كان بحيث لا يحدث معه شيء من الأجزاء فهو المانع من الابتداء أو الانعقاد وإلا فهو المانع من التمام وكل منهما في العلة أو الحكم وزاد بعضهم قسما خامسا نظرا إلى أن للحكم ابتداء وتماما ودواما, ولا عبرة بالدوام في العلة بل التمام كاف كخروج النجاسة للحدث ثم المقصود هو العلة والحكم الشرعيان, وقد أضافوا إليها الحسيين لزيادة التوضيح وفي كون امتداد الجرح وصيرورته بمنزلة الطبع مانعا من لزوم الحكم نظرا; لأنه إن أريد بالحكم القتل وهو غير ثابت وإن أريد الجرح فهو لازم على تقدير صيرورته بمنزلة الطبع, وقد يجاب بأن الحكم هو الجرح على وجه يفضي إلى القتل لعدم مقاومة المرمى فالاندمال مانع من تمام الحكم لحصول المقاومة, وأما بقاء الجرح وكون المجروح ولنا أن التخصيص في الألفاظ مجاز فيخص بها، وترك القياس بدليل أقوى لا يكون تخصيصا؛ لأنه ليس بعلة حينئذ ولأن العلة في القياس ما يلزم من وجوده وجود الحكم لإجماع العلماء على وجوب التعدية إذا علم وجود العلة في الفرع من غير تقييدهم بعدم المانع مع أن هذا التقييد واجب فعلم أن عدم المانع حاصل عند وجود العلة فهو إما ركنها أو شرطها أي عدم المانع إما ركن العلة أو شرطها فإذا وجد المانع فقد عدم العلة ثم عدمها قد يكون
ولنا أن التخصيص في الألفاظ مجاز فيخص بها, وترك القياس بدليل أقوى لا يكون تخصيصا; لأنه ليس بعلة حينئذ ولأن العلة في القياس ما يلزم من وجوده وجود الحكم لإجماع العلماء على وجوب التعدية إذا علم وجود العلة في الفرع من غير تقييدهم بعدم المانع مع أن هذا التقييد واجب فعلم أن عدم المانع حاصل عند وجود العلة فهو إما ركنها أو شرطها أي عدم المانع إما ركن العلة أو شرطها "فإذا وجد المانع فقد عدم العلة ثم عدمها قد يكون لزيادة وصف كما أن البيع المطلق علة للملك فإذا زيد الخيار فقد عدمت أو لنقصانه كالخارج النجس مع عدم الحرج علة للانتقاض, وهذا معدوم في المعذور ومنه فساد
...................................................................... ..........................
صاحب فراش فلا يمنعه لتحقق عدم المقاومة إلا أنه ما دام حيا يحتمل أن يزول عدم المقاومة بالاندمال ويحتمل أن يصير لازما بإفضائه إلى القتل فإذا صار طبعا فقد منع ذلك إفضاءه إلى القتل وكان مانعا لزوم الحكم ثم لا يخفى أنه تمثيل مبني على التسامح وإلا فالرمي علة للمضي والمضي للإصابة والإصابة للجراحة والجراحة لسيلان الدم وهو لزهوق الروح.
قوله: "ولنا أن التخصيص" أجاب عن الاحتجاج الأول بأن التخصيص من الأحكام التي لا يمكن تعديتها من الأصل أعني الأدلة اللفظية إلى الفرع أعني العلل; لأن التخصيص ملزوم للمجاز والمجاز من خواص اللفظ واختصاص اللازم بالشيء يوجب اختصاص الملزوم به وإلا لزم وجود الملزوم بدون اللازم وهو محال, وربما يعترض عليه بأنا لا نسلم أن التخصيص مطلقا ملزوم للمجاز بل التخصيص في الألفاظ كذلك ومعنى تعدية الحكم إثبات مثله في صورة الفرع فيثبت في العلل تخصيص ببعض الموارد كتخصيص الألفاظ ببعض الأفراد ويتصف اللفظ بالمجاز ضرورة استعماله في غير ما وضع له ويمتنع اتصاف العلة به إذ ليس من شأنها الاتصاف بالحقيقة والمجاز. وعن الاحتجاج الثاني بأن إثبات الحكم بطريق الاستحسان ترك للقياس بدليل أقوى منه وهو ليس من تخصيص العلة بمعنى انتفاء الحكم المانع من تحقق العلة لوجهين أحدهما أن القياس بل الوصف فيه ليس بعلة عند وجود المعارض الأقوى لما سبق من أن شرط القياس أن لا يعارضه دليل أقوى منه فانتفاء الحكم في صورة القياس مبني على عدم العلة لا على تحقق المانع مع وجود العلة وثانيهما أن العلة في القياس ما يلزم من وجوده وجود الحكم بدليل الإجماع على وجوب تعدية الحكم إلى كل صورة توجد فيها العلة من غير تقييد بعدم المانع فكل ما لا يلزم من وجوده وجود الحكم بل يتخلف عنه ولو لمانع يكون علة, ولما كان هذا الوجه صالحا; لأن يجعل دليلا مستقلا على بطلان تخصيص العلة أشار إليه بقوله مع أن هذا التقييد واجب إلى آخره.
Page 186