Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
قوله: "حجته" قد احتج الذاهبون إلى المذهب الأول بأنه لا بد أن يراد بعشرة كمالها أو سبعة إذ لا ثالث, والأول باطل للقطع بأنه لم يقر إلا بسبعة فتعين الثاني, وأيضا لو كان المراد عشرة بكمالها لامتنع من الصادق مثل قوله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} لما يلزم من إثبات لبث خمسين ونفيه وأجيب بأن المراد باللفظ الكل, والحكم إنما يتعلق بعد إخراج البعض إذ الكلام يتم بآخره, فلا فساد, وقد أورد فخر الإسلام رحمه الله ثلاث حجج من قبل الشافعي رحمه الله في أن الاستثناء يعمل بطريق المعارضة دون البيان. ولما ذهب المصنف إلى أن القول بأنه يعمل بطريق المعارضة معناه القول بالمذهب الأول جعلها حججا على المذهب الأول. تقرير الأولى أنه لا سبيل إلى جعل المستثنى في حكم المسكوت عنه; لأن إعدام التكلم أي: القول بعدم التكلم الموجود حقيقة غير معقول بل هو إنكار للحقائق بخلاف وجود التكلم مع عدم حكمه أي: الأثر الثابت به بناء على مانع فإنه شائع مستفيض كالعام الذي خص منه البعض يمتنع حكمه في القدر المخصوص فهاهنا يثبت التكلم بالكل, وينعقد الكلام في نفسه إلا أنه يمتنع الحكم في القدر المستثنى لوجود المعارض, وهو الاستثناء. وتقرير الثانية أن أهل اللغة أجمعوا على أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي, وهذا صريح في أن الاستثناء يدل على أن حكم المستثنى مخالف لحكم الصدر فيكون معارضا له لا في حكم المسكوت عنه وتقرير الثالثة أنهم أجمعوا على أن قولنا لا إله إلا الله كلمة توحيد أي: إقرار بوجود الباري تعالى ووحدانيته فلو لم بالجارية كان النصف ثم نصف هذا النصف مستثنى من النصف. فعلم أن المراد بالجارية لم يكن نصفا بل ربعا والمفروض أن المستثنى نصف ما هو المراد فيكون نصف الربع مستثنى فيتسلسل هذا حكاية ما أورد ابن الحاجب والجواب الذي خطر ببالي هو قوله:. "قلنا هو بيان أن المراد هو البعض لا أن المتناول هو البعض فإن اللفظ متناول للكل ثم هو استثناء من المتناول لا من المراد" أي: الاستثناء هو بيان أن المراد هو البعض لا أن المتناول هو البعض فإن اللفظ متناول للكل ثم الاستثناء من المتناول إلا من المراد فيكون استثناء النصف من الكل.
...................................................................... ..........................
يكن عمل الاستثناء بطريق المعارضة, وإثباته حكما مخالفا لحكم الصدر لما لزم الإقرار بوجود الله تعالى بل بنفي الألوهية عن ما سواه, والتوحيد لا يتم إلا بإثبات الألوهية لله تعالى ونفيها عما سواه, ولا شك أنه لو تكلم بكلمة التوحيد دهري, منكر لوجود الصانع يحكم بإسلامه ورجوعه عن معتقده فثبت أن الاستثناء يدل على إثبات حكم مخالف للصدر.
هذا تقرير الحجج على وفق ما ذكره القوم احتجاجا بها على أن عمل الاستثناء بطريق المعارضة, وأنه من النفي إثبات وبالعكس. وقد سبق أن هذا عبارة عن المذهب الأول فيكون حججا على إثباته, وأيضا أنها تدل على بطلان المذهبين الأخيرين فتعين الأول وذلك; لأنه لا يتحقق على المذهبين الأخيرين حكمان أحدهما نفي, والآخر إثبات بل حكم واحد فقط أما على المذهب الثاني فلأنه إنما يتعلق الحكم بالصدر بعد إخراج البعض منه, فلا حكم فيه إلا على الباقي. وأما على المذهب الثالث فلأن مجموع المستثنى منه, والمستثنى وآلة الاستثناء عبارة عن الباقي, ولا حكم إلا عليه هذا, ولكن لا يخفى أن الحجة الأولى لا تدل على نفي المذهب الثالث إذ ليس فيه إعدام للتكلم بل قول بأن عشرة إلا ثلاثة اسم للسبعة فليس فيه إلا العدول عن التكلم بالأخصر إلى التكلم بالأطول.
Page 49