Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
الضرر وقع بالغنم فسلمت إلى المجني عليه كما في العبد الجاني, وأما وجه حكومة سليمان عليه الصلاة والسلام أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان. "ولقوله عليه الصلاة والسلام: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته" الحديث" روي أن الخثعمية قالت: يا رسول الله إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة فيجزيني أن أحج عنه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يقبل منك؟" قالت: نعم قال: "فدين الله أحق أن يقبل". "وقوله عليه السلام: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته" الحديث" روي أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قبلة الصائم فقال عليه السلام: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟". "لكن يحتمل في الحديثين أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه بالوحي لكن بينه بطريق القياس لما كان موافقا له ليكون أقرب إلى فهم السامع; ولأنه أسبق الناس في العلم, وأنه يعلم المتشابه والمجمل, فمحال أن يخفى عليه معاني النص" المراد بها العلل. "فإذا وضح له لزمه العمل; ولأنه شاور أصحابه في سائر الحوادث عند عدم النص فأخذ في أسارى بدر برأي أبي بكر رضي الله عنه" روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى يوم بدر بسبعين أسيرا فيهم العباس عمه عليه السلام وعقيل ابن عمه أبي طالب فاستشار أبا بكر فيهم فقال: قومك وأهلك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم, وخذ منهم فدية يقوى بها أصحابك, وقال عمر: كذبوك, وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر, وإن الله عز وجل أغناك عن الفداء مكن عليا من عقيل وحمزة من عباس, ومكني من فلان لنسيب له فلنضرب أعناقهم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر, وكان ذلك هو الرأي عنده فمن عليهم حتى نزل قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} أي: لولا حكم الله سبق في اللوح المحفوظ, وهو أنه لا يعاقب أحد بالخطأ, فكان هذا خطأ في الاجتهاد; لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا لإسلامهم وتوبتهم وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد واجتهاده لا يحتمل القرار على الخطأ لكن مع ذلك الوحي الظاهر أولى لأنه أعلى ولأنه لا يحتمل الخطأ لا ابتداء ولا بقاء والباطن لا يحتمل بقاء ومدة الانتظار ما يرجو نزوله فإذا خاف الفوت في الحادثة يعمل بالرأي والله تعالى إذا سوغ له الاجتهاد كان الاجتهاد وما يستند إليه وحيا لا نطقا عن الهوى.
في سبيل الله, وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام, وأهيب لمن وراءهم, وأقل لشوكتهم فلما نزلت هذه الآية قال عليه السلام: "لو نزل بنا عذاب ما نجا إلا عمر" ولهذه الآية تأويل آخر نذكره في باب الاجتهاد إن شاء الله تعالى. "ومثل ذلك كثير" أي: مثل ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أصحابه كثير, وبعض ذلك مذكور في أصول البزدوي, ومن ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد يوم الأحزاب أن يعطي المشركين شطر ثمار المدينة لينصرفوا فقام سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقالا إن كان هذا عن وحي فسمعا وطاعة, وإن كان عن رأي, فلا نعطيهم إلا السيف قد كنا نحن, وهم في الجاهلية لم يكن لنا ولهم دين كانوا لا يطعمون من ثمار المدينة إلا بشراء أو قرى فإذا أعزنا الله تعالى بالدين أنعطيهم ثمار المدينة لا نعطيهم إلا السيف, وقال عليه السلام: "إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أصرفهم عنكم فإذا أبيتم فذاك", ثم قال عليه السلام للذين جاءوا للصلح: "اذهبوا, فلا نعطيهم إلا السيف".
واجتهاده لا يحتمل القرار على الخطأ لكن مع ذلك الوحي الظاهر أولى; لأنه أعلى; ولأنه لا يحتمل الخطأ لا ابتداء, ولا بقاء والباطن لا يحتمل بقاء" أي: الوحي الباطن , وهو القياس يحتمل الخطأ لا حالة الابتداء لكن لا يحتمل القرار على الخطأ فهذا هو المراد بالبقاء والوحي الظاهر لا يحتمل الخطأ أصلا لا ابتداء, ولا بقاء فكان أقوى. "ومدة الانتظار ما يرجو نزوله فإذا خاف الفوت في الحادثة يعمل بالرأي" لما ذكر في هذا الفصل أنه مأمور بانتظار الوحي للعمل بالرأي بعد انقضاء مدة الانتظار بين مدة الانتظار, وهي ما يرجو نزوله. "والله تعالى إذا سوغ له الاجتهاد, كان الاجتهاد, وما يستند إليه", وهو الحكم الذي ظهر له بالاجتهاد "وحيا لا نطقا عن الهوى", وهذا جواب التمسك على المذهب الأول بقوله تعالى: {إن هو إلا وحي يوحى}.
Page 35