يمكنه استقبال القبلة فإنه يسقط عنه فرض التوجه إليها. وهل يسقط بسقوط ذلك فرض الصلاة حينئذ أم لا؟ فمذهبنا أن فرض الصلاة لا يسقط ويصلي إلى أي الجهات أمكنه. وسقوط هذا الركن من أركان الصلاة لا يسقطها، كما لا يسقطها سقوط فرض القيام لأجل المرض أو القراءة أو ستر العورة. وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١) قيل معناه: مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. ومذهب أبي حنيفة أن الفرض يسقط عنه حينئذٍ. وحجته ترك النبي ﷺ الصلاة يوم الخندق حتى خرج الوقت (٢). وأجيب عن هذا بأن صلاة الخوف لم تكن شرعت له ﷺ حينئذٍ. وعندي أن أبا حنيفة رأى أن استقبال القبلة شرط من شروط الصحة في الصلاة كطهارة الحدث، فأسقط الفرض حال العجز عن هذا الشرط، كما أسقطه (٣) بعض أصحابنا عن عادم الماء والتراب حال عدمه لهما، لما كانت الطهارة عنده من شروط الصحة.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: تنفل المسافر على دابته (٤) جائز على الجملة ويوميء للركوع والسجود؛ لأن النبي ﷺ صلى على الحمار وهو متوجه إلى خيبر (٥). ويصلي عندنا على الدابة السنن لأن النبي ﷺ أوتر على راحلته. والوتر من آكد السنن. ولكن من شرط جواز التنفل عندنا على الدابة أن يكون ذلك في السفر لا في الحضر خلافًا للاصطخري وأبي يوسف في أحد قوليه في إجازتهما ذلك في الحضر. والحجة عليهما قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٦). وهذا على
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٩.
(٢) أخرجه البخاري عن علي كرم الله وجهه عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق: "ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس". وعن جابر أنه صلى مع رسول الله ﷺ وأصحابه الحصر بعد ما غربت الشمس. ثم صلى بعدها المغرب. فتح الباري ج ٨ ص ٤٠٩.
(٣) أسقط -ح-.
(٤) الدابة -و-.
(٥) الموطأ ج ٢٧ كتاب قصر الصلاة في السفر. إكمال الإكمال ج ٢ ص ٣٥٤.
(٦) سورة البقرة، الآية: ١٤٤.