830

Sharḥ Maʿānī al-Āthār

شرح معاني الآثار

Editor

محمد زهري النجار ومحمد سيد جاد الحق

Publisher

عالم الكتب

Edition

الأولى

Publication Year

1414 AH

٤٦٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا الْوَهْبِيُّ، قَالَ: ثنا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: " سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الصَّهْبَاوَاتِ» قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنَا وَاللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، وَبِيَدِي تَمَرَاتٌ أَتَسَحَّرُ بِهِنَّ، وَأَنَا مُسْتَتِرٌ بِمُؤَخِّرَةِ رَحْلِي مِنَ الْفَجْرِ، وَذَلِكَ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ ". فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، أَخْبَرَهُمْ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ الصَّهْبَاوَاتِ، فَوَصَفَهَا عَبْدُ اللهِ ﵁، بِمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنْ ضَوْءِ الْقَمَرِ، عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي آخِرِ الشَّهْرِ. فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى مَا قَالَ أُبَيٌّ ﵁. وَفِي كِتَابِ اللهِ ﷿ مَا يَدُلُّ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَاصَّةً. قَالَ اللهُ ﷿ ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٢] فَأَخْبَرَ اللهُ ﷿ أَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ فَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ، ثُمَّ قَالَ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَاحْتَجْنَا إِلَى أَنْ نَعْلَمَ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ مِنْ لَيَالِيهِ؟ فَكَانَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ بِلَالٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهَا لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ» وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ". وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ ﵁ فِي ذَلِكَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
٤٦٤٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا أُبَيٌّ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قَالَ: «لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» . ⦗٩٤⦘ فَهَذَا مُنْتَهَى مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ، مِنْ عِلْمِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ؟ مِمَّا دَلَّنَا عَلَيْهِ كِتَابُ اللهِ ﷿، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَأَمَّا مَا رُوِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَتَابِعِيهِمْ، فَمَعْنَاهُ دَاخِلٌ فِي الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا. وَإِنَّمَا احْتَجْنَا إِلَى ذِكْرِ مَا رُوِيَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، لِمَا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا ﵏ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، مَتَى يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: إِنْ قَالَ لَهَا ذَلِكَ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ. لِمَا قَدِ اخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ، عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابَ، مِمَّا رُوِيَ أَنَّهَا فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ، وَمِمَّا قَدْ رُوِيَ أَنَّهَا فِي خَاصٍّ مِنْهُ، قَالَ ﵀: فَلَا أَحْكُمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، إِلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ، لِأَنِّي أَعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مَضَى الْوَقْتُ الَّذِي أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِيهِ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ. قَالَ ﵀: وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي أَوَّلِهِ، أَوْ فِي آخِرِهِ، أَوْ فِي وَسَطِهِ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، حَتَّى يَمْضِيَ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ، وَحَتَّى يَمْضِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَيْضًا كُلُّهُ، مِنَ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ. قَالَ ﵀: لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ كُلُّهُ، مِنَ السَّنَةِ الْجَائِيَةِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهَا، فَيَكُونُ كَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ، قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيَكُونُ الطَّلَاقُ لَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ ﵀: فَلَمَّا أَشْكَلَ ذَلِكَ، لَمْ أَحْكُمْ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِي بِوُقُوعِهِ، وَلَا أَعْلَمُ ذَلِكَ، إِلَّا بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرِ رَمَضَانَ، الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَشَهْرِ رَمَضَانَ الْجَائِي بَعْدَهُ. فَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو يُوسُفَ ﵀، قَالَ مَرَّةً بِهَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: إِذَا قَالَ لَهَا ذَلِكَ الْقَوْلَ فِي بَعْضِ شَهْرِ رَمَضَانَ، لَمْ يُحْكَمْ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ حَتَّى يَمْضِيَ مِثْلُ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، مِنَ السَّنَةِ الْجَائِيَةِ. قَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ، فَقَدْ كَمُلَ حَوْلٌ، مُنْذُ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَهِيَ فِي كُلِّ حَوْلٍ فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ - عِنْدِي - لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَنَا، إِنَّ كُلَّ حَوْلٍ يَكُونُ فَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحَوْلَ لَيْسَ فِيهِ شَهْرُ رَمَضَانَ بِكَمَالِهِ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ. وَإِنَّمَا قِيلَ لَنَا: إِنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، هَكَذَا دَلَّنَا عَلَيْهِ كِتَابُ اللهِ ﷿، وَقَالَهُ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إِذَا قَالَ لَهَا فِي بَعْضِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِيمَا مَضَى مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ. ⦗٩٥⦘ فَيَكُونُ إِذَا مَضَى حَوْلٌ مِنْ حِينَئِذٍ، إِلَى مِثْلِهِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، مِنَ السَّنَةِ الْجَائِيَةِ، لَا لَيْلَةَ قَدْرٍ فِيهِ. فَفَسَدَ بِمَا ذَكَرْنَا، قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ الَّذِي وَصَفْنَا، وَثَبَتَ - عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ - مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَقَدْ كَانَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: إِذَا قَالَ لَهَا الْقَوْلَ فِي بَعْضِ شَهْرِ رَمَضَانَ: إِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ، حَتَّى يَمْضِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ - فِيمَا نَرَى وَاللهُ أَعْلَمُ - إِلَى أَنَّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أَنَّهَا فِي لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَيْنِهَا هُوَ حَدِيثُ بِلَالٍ، وَحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَإِذَا مَضَتْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، عُلِمَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَدْ كَانَتْ، فَحَكَمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَقِيلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِعِلْمِ كَوْنِهَا فَكَذَلِكَ لَمْ يُحْكَمْ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ. وَهَذَا الْقَوْلُ تَشْهَدُ لَهُ الْآثَارُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا، فِي هَذَا الْبَابِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

3 / 93