وَإِنَّمَا قُلْنَا: "إِنَّ تَرْكَ مُتَابَعَتِهِ مُشَاقَّةٌ لَهُ"؛ لأَنَّ المُشَاقَّةَ عِبَارَة: عَن كَوْنِ أَحَدِهِمَا في شِقٍّ، وَكَوْنِ الآخَرِ في شِقٍّ آخَرَ؛ فَإِذَا فَعَلَ الرَّسُولُ ﵇ فِعْلًا وَتَرَكَهُ غَيرُهُ، كَانَ ذَلِكَ الْغَيرُ في شِقٍّ آخَرَ مِنَ الرَّسُولِ؛ فَكَانَ مُشَاقًّا لَهُ.
وَإِنمَا قُلْنَا: "إِن مُشَاقَّةَ الرَّسُولِ مُحَرَّمَةٌ"؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥] وَالمُرَادُ مِنَ "الْهُدَى": الْمُعْجِزُ الدَّالْ عَلَى كَوْنِهِ رَسُولًا؛ لأَنَّا بَيَّنا أَن المُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِالأَلِفِ وَالَّلامِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ، وَالمَعْهُودُ السَّابِقُ - هَهُنَا - هُوَ مُعْجِزَاتُهُ.
التَّاسِعُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ رَجَعُوا فِي تَكَالِيفِهِمْ إِلَى أَفْعَالِهِ؛ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا في الغُسْلِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَينِ، رَجَعُوا فِيهِ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالت: "فَعْلتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ، فَاغْتَسَلْنَا"، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ رَجَعُوا إِلَى قَوْلِهَا.
===
المشاقة العُرفِيَّةِ: المحادة والمعاندة، أو يقالُ: الوعيدُ مُقَيَّدٌ بتبينِ الهُدَى، والنزاعُ في الفعلِ المُجَرَّدِ، وهو مجهولُ الوصف.
قوله: "المراد من الهدى: المعجزة" قلنا: تقييدٌ من غيرِ دليلٍ، وَإِنْ حُمِلَ على المعجزة، فالمرادُ من المُشَاقَّةِ: مُشَاقَّةُ الكُفَّارِ؛ ونحنُ نقول به.
قوله: "التاسع: أَنَّ الصحابةَ - رضوانُ الله عليهم - رجعوا في مَعْرِفَةِ تكاليفهم إِلى أَفعاله" هذا الدَّليلُ يُقَرِّرُونَهُ إِجماعًا بالوجوهِ التِي ذكرها، وكُلَّهَا محمولَةٌ على ما اقترن به الأمرُ بالتأسي من قوله ﷺ: "صَلَّوا كَمَا رَأيتُمُوْنِي أُصَلِّي"، و"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" والغسل من التقاء الختانين من أسباب الصلاة.