شرح دعاء السحر ***37]

Page 1

اللهم إني أسئلك من بهائك بأبهاه، وكل بهائك بهي، اللهم إني أسئلك ببهائك كله.

قول الداعي:(اللهم) أصله يا ألله. واعلم أن الإنسان هو الكون الجامع لجميع المراتب العينية والمثالية والحسية، منطو فيه العوالم الغيبية والشهادية وما فيها، كما قال الله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها. وقال مولينا ومولى الموحدين صلوات الله عليه على ما نقل:

أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر

فهو مع الملك ملك، ومع الملكوت ملكوت، ومع الجبروت جبروت. وروي عنه وعن الصادق عليهما السلام: إعلم أن الصورة الإنسانية هي أكبر حجج الله على خلقه، وهي الكتاب الذي كتبه بيده وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي مجموع صورة العالمين، وهي المختصر من اللوح المحفوظ، وهي الشاهد على كل غائب، وهي الطريق المستقيم إلى كل خير، والصراط الممدود بين الجنة والنار، انتهى. فهو خليفة الله على خلقه، مخلوق على صورته، متصرف في بلاده، مخلع بخلع اسمائه وصفاته، نافذ في خزائن ملكه وملكوته، منفوخ فيه الروح من الحضرة الإلهيه، ظاهره نسخة الملك والملكوت وباطنه خزانة الحي الذي لا يموت. ولما كان جامعا لجميع الصور الكونيه الإلهيه كان مربى بالإسم الأعظم، المحيط لجميع الأسماء والصفات، الحاكم على جميع الرسوم والتعينات. فالحضرة الإلهيه رب الإنسان الجامع الكامل. وينبغي له أن يدعو ربه بالإسم المناسب لمقامه والحافظ من منافراته. ولهذا أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم(قال تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ((الأعراف)) دون ساير الأسماء وصار مأمورا بالإستعاذه برب الناس في قوله تعالى: "قل أعوذ برب الناس" من شر الذي ينافر مرتبته وكمالاته، وهو الوسوسة في صدره من الموسوس القاطع لطريقه في سلوك المعرفه.

قال العارف الكامل كمال الدين عبدالرزاق الكاشاني: في تأويلاته. "الإنسان هو الكون الجامع الحاصر لجميع مراتب الوجود. فربه الذي أوجده فأفاض عليه كماله هو الذات باعتبار جميع الأسماء بحسب البدايه المعبر عنه ب(الله)، ولهذا قال تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي}(ص:75) بالمتقابلتين كاللطف والقهر والجلال والجمال الشاملين لجميعها" انتهى بعين ألفاظه.

فالمتكفل لعوده من أسفل السافلين واسترجاعه من الهاوية المظلمة إلى دار كرامته ***38]

Page 37

وأمانه وإخراجه من الظلمات إلى النور، وحفظه من قطاع طريقه في السلوك هو الله، كما قال تعالى:{الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}(البقرة:257). فالسالك في سلوكه بقدم المعرفة إلى الله بمنزلة مسافر يسافر في الطريق الموحش المظلم إلى حبيبه، والشيطان قاطع الطريق في هذا المسلك، والله تعالى هو الحافظ باسمه الجامع المحيط. فلا بد للداعي والسالك من التوسل والتضرع إلى حافظه ومربيه بقوله: اللهم أو يا الله. وهذا سر تصدر اكثر الأدعية به، وإن كان المتمسك بساير الأسماء الإلهية أيضا حسن بنظر آخر، وهو استهلاك التعينات الأسمائية والصفاتية في أحدية الجمع على ما سيجيء في سر الرجوع عن إثبات الأفضلية في فقرات الدعاء إلى قوله "وكل بهائك بهي" إلى غير ذلك.

"إني" لم يكن هذا في الحقيقه إثبات الأنانيه، لأن الأنانيه تنافي السؤال، والداعي يقول: إني أسئلك. وهذا نظير قوله تعالى:{أنتم الفقراء إلى الله} (فاطر:15)، مع أن أنتمية السوائيه مدار الإستغناء لا الفقر. فما كان منافيا لمقام السالك إلى الله تعالى إثبات الإستقلال والإستغناء كتسمية أنتم في قوله تعالى: "إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم". وأما إثبات الأنانية في مقام التذلل وإظهار الفقر فليس مذموما، بل ليس من إثبات الأنانيه. نظير أنتم في قوله: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله}(فاطر:15). بل حفظ مقام المعبوديه والتوجه إلى الفقر والفاقه إن كان في الصحو الثاني فهو من أتم مراتب الإنسانيه. المشار إليه بقوله صلى الله عليه وآله على ما حكى " كان أخي موسى عليه السلام عينه اليمنى عمياء وأخي عيسى عينه اليسرى عمياء وأنا ذو العينين " فحفظ مقام الكثرة في الوحده في الكثرة لم يتيسر لأحد من الأنبياء المرسلين إلا لخاتمهم بالأصاله وأوصيائه بالتبعيه، صلى الله عليهم أجمعين.

"أسئلك"، السؤال بلسان الإستعداد غير مردود ودعائه مقبول مستجاب، لأن الفاعل تام وفوق التمام والفيض كامل وفوق الكمال، وعدم ظهور الفيض وإفاضته من قبل نقصان الإستعداد. فإذا استعد القابل لقبوله فيفيض عليه من الخزائن التي لاتنتهي ولا تنفذ ومن المعادن التي لاتنتهي ولاتنقص. فينبغي للداعي أن يبالغ في تنزيه باطنه وتخلية قلبه من الأرجاس والملكات الرذيله يسري دعاء قاله إلى حاله وحاله إلى استعداده وعلنه إلى سره ليستجاب دعاه ويصل إلى مناه. فاجتهد لأن يكون سرك داعيا وباطنك طالبا حتى ينفتح على قلبك أبواب الملكوت. وينكشف على سرك أسرار الجبروت. ويجري فلك ***39]

Page 38

عقلك في بحار الخير والبركات حتى يصل إلى ساحل النجاة، وينجي من ورطة الهلكات ويطير بجناحيه إلى عالم الأنوار عن هذه القرية الظلمانية ودار البوار. وإياك وأن تجعل الغاية لهذه الصفات الحسنى والأمثال العليا التي بها تقوم السموات والأرضون، وبنورها تنورت العالمون الشهوات الدنيه الداثره الباليه والأغراض الحيوانيه والكمالات البهيميه والسبعيه. وعليك بطلب الكرامات الإلهيه والأنوار العقليه والكمالات اللائقه بالإنسان بما هو الإنسان والجنات التي عرضها كعرض السماوات والأرض. وهذه أيضا في بدو السلوك والسير، وإلا فحسنات الأبرار سيئات المقربين. فالعارف الكامل من جعل قلبه هيولي لكل صوره أورد عليه المحبوب فلا يطلب صوره وفعلية، وتجاوز عن الكونين وارتفع عن النشأتين، كما قال العارف الشيرازي:

در ضمير ما نمى كنجد به غير ازدوست كس هر دو عالم رابه دشمن ده كه مارا دوست بس

وقال في موضع آخر:

نيست در لوح دلم جز الف قامت دوست جكنم حرف دكر ياد نداد استادم

وهذا هو حقيقة الإخلاص الذي أشار إليه بقوله: " من أخلص لله أربعين صباحا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ".

وفي الكافي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: " أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول " طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه ولم يحزن صدره بما أعطى غيره ".

هذا، فتبا لعبد يدعي العبوديه ثم دعى سيده ومولاه بالأسماء والصفات التي قامت بها سماوات الأرواح وأراضي الأشباح، وكان مسئوله الشهوات النفسانيه والرذايل الحيوانيه والظلمات التي بعضها فوق بعض والرياسات الباطله وبسط اليد في البلاد والتسلط على العباد.

تو را زكنكره عرش مى زنند صفير ندانمت كه دراين دامكه جه افتاده است؟

وطوبى لعبد عبد الرب له وأخلص لله ولا ينظر إلا إليه ولا يكون مشتريا للشهوات الدنيوية أو للمقامات الاخروية.

غلام همت آنم كه زير جرخ كبود زهر جه رنك تعلق بذيرد آزاد است ***45]

Page 39

"من بهائك بأبهاه وكل بهائك بهي اللهم إني أسألك ببهائك كله".

من بهائك متعلق بأبهاه، وهو متعلق بأسئلك. أي أسئلك بأبهى من بهائك وكذلك ساير الفقرات.

واعلم أن السالك بقدم المعرفه إلى الله لا يصل إلى الغاية القصوى ولايستهلك في أحدية الجمع ولا يشاهد ربه المطلق إلا بعد تدرجه في السير إلى منازل ومدارج ومراحل ومعارج من الخلق إلى الحق المقيد، ويزيل القيد يسيرا يسيرا، وينتقل من نشأة إلى نشأة ومن منزل إلى منزل حتى ينتهي إلى الحق المطلق، كما هو المشار إليه في الكتاب الإلهي لطريقة شيخ الأنبياء عليه وعليهم الصلوة والسلام بقوله تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي. إلى قوله - وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين} (الأنعام 76-79). فتدرج من ظلمات عالم الطبيعة متدرجا مرتقيا إلى عالم الربوبية. فطلوع ربوبية النفس متجلية بصورة الزهرة. فارتقى عنها فرأى الأفول والغروب لها، فانتقل من هذا المنزل إلى منزل القلب الطالع قمر القلب من أفق وجوده، فرأى ربوبيته، فتدرج عن هذا المقام إلى طلوع شمس الروح. فلما أفلت بسطوع نور الحق وطلوع الشمس الحقيقي نفى الربوبية فيها وتوجه إلى فاطرها وخلص عن كل إسم ورسم وتعين ووسم، وأناخ راحلته عند الرب المطلق. فالعبور عن منازل الحواس والتخيلات والتعقلات، والتجاوز عن دار الغرور إلى غاية الغايات، والتحقق بنفي الصفات والرسوم والجهات عينا وعلما لا يمكن إلا بعد التدرج في الأوساط من البرازخ السافلة والعالية إلى عالم الآخره، ومنها إلى عالم الأسماء والصفات. من التي كانت أقل حيطة إلى أكثر حيطة، إلى الإلهية المطلقة ، إلى أحدية عين الجمع المستهلك فيها كل التجليات الخلقيه والأسمائية والصفاتية الفانية فيها التعينات العلميه والعينية. وأشار المولوى إلى هذا التدرج بقوله:

از جمادى مردم ونامى شدم وزنما مردم ز حيوان سر زدم

إلى قوله:

بس عدم كردم عدم جون ارغنون كويدم كانا اليه راجعون

وهذا هو الظلومية المشار إليها بقوله تعالى:{إنه كان ظلوما جهولا}. وهذا مقام " أو أدنى" أخيرة مقامات الإنسان. بل لم يكن هيهنا مقام ولا صاحب مقام. وهذا مقام الهيمان المشار إليه بقوله تعالى: {ن والقلم وما يسطرون}(ن: 1) على بعض الإحتمالات. فإذا بلغ ***46]

Page 45

السالك إلى الحضره الإلهيه ورأى بعين البصيره الحضره الواحديه وتجلى له ربه بالتجليات الأسمائيه والصفاتيه وتوجه إلى محيطية بعض الأسماء والصفات ومحاطية بعضها وفضيلة بعضها وأفضلية الأخرى بعضها وأفضلية الأخرى يسأل ربه باللسان المناسب لنشأته ويدعو بالدعاء اللائق بحضرته بأبهى الصفات وأجملها وأشرف الآيات وأكملها، فيسري من لسان حاله إلى قاله ومن سره إلى مقاله، فيقول:"أسئلك من بهائك بأبهاه" إلى غير ذلك. والسؤال في الحضره الإلهيه بطور يخالف طور السؤال في الحضرة الغيب المقيد، وهو يخالف السؤال في الشهاده، ومسؤلاتها أيضا متفاوته بمناسبة النشئآت، كما سيجئ في قوله عليه السلام: "اللهم إني أسئلك من مسائلك بأحبها إليك" هذا. وإذا تجاوزعن الحضرة الالهية إلى حضرة الأحدية الجمعية المستهلكة فيها الحضرات، الفانية فيها التعينات والتكثرات وتجلى عليه بالمالكية المطلقة. كما قال: {لمن الملك اليوم}(غافر:16) وحيث لم يكن في هذا اليوم خلق وأمر ولا إسم ورسم ورد أن لايجيبه إلا نفسه، فقال: {لله الواحد القهار}(غافر 16). ففي هذا المقام لم يكن سؤال ولا مسؤول ولا سائل. وهو السكر الذي هو هيمان ودهشة واضطراب بمشاهدة جمال المحبوب فجأة. فإذا أفاق بتوفيقات محبوبه عن هذا الهيمان والدهش وصحى عن المحو أمكنه التميز والتفرقة لتمكن الشهود فيه واستقامته واستقراره وحفظه الحضرات الخمس يرى أن الصفات التي يراها في الصحو الأول بعضها أبهى وبعضها بهي وبعضها أكمل وبعضها كامل، كلها من تجليات ذات أحدي محض ولمعات جمال نور حقيقي بحت. فلا يرى في هذا المقام أفضلية وأشرفية، بل يرى كلها شرف وبهاء وجمال وضياء، فيقول: "كل بهائك بهي وكل شرفك شريف" لم يكن أشرفية في البين، وتكون كلها أمواج بحر وجودك ولمعات نور ذاتك وكلها متحدة مع الكل وكلها مع الذات. فإثبات التفضيل في الصحو الأول ونفيها في الصحو بعد المحو مع ارجاع الكثرات إليه. هذا إذا كان النظر إلى التجليات الصفاتية والأسمائية. وأما إذا كان المنظور التجليات الخلقية والمظاهر الحسنى الفعلية فالعروج الى مقام التحقق بالمشية المطلقة المستهلكة فيها التعينات الفعلية لا يمكن الا التدرج في مراتب التعينات، فمن عالم الطبيعة يعرج الى عالم المثال والملكوت متدرجا في مراتبها، ومنهما الى عالم الأرواح المقدسة بمراتبها، ومنه إلى مقام المشية التي استهلك في عينها جميع

الموجودات الخاصة والتعينات الفعلية. وهذا هو مقام التدلي في قوله تعالى {دنى فتدلى}(النجم:8). فالمتدلي بذاته الذي لم ***47]

Page 46

يكن حيثيته إلا التدلي ولم يكن ذاتا يعرض لها التدلي والفقر الذي هو الفقر المطلق، وهو المشية المطلقة المعبر عنها بالفيض المقدس والرحمة الواسعة والاسم الأعظم والولاية المطلقة المحمدية أو المقام العلوي، وهو اللواء التي آدم ومن دونه تحتها والمشار اليه بقوله: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين أو بين الجسد والروح"، أي لا روح ولا جسد. وهو العروة الوثقى والحبل الممدود بين سماء الإلهية وأراضي الخلقية.وفي دعاء الندبة قوله عليه السلام: "أين باب الله الذي منه يؤتى أين وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء. أين السبب المتصل بين الأرض والسماء".

وفي الكافي عن المفضل: "قال قلت لأبي عبدالله عليه السلام: كيف كنتم حيث كنتم في الأظلة فقال: يا مفضل، كنا عند ربنا ليس عنده أحد غيرنا في ظلة خضراء نسبحه ونقدسه ونهلله ونمجده. وما من ملك مقرب ولا ذي روح غيرنا، حتى بدا له في خلق الأشياء فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم. ثم أنهى علم ذلك إلينا". والأخبار من طريق أهل البيت عليهم السلام بهذا المضمون كثيرة. فشهود هذا المقام أو التحقق به لا يتيسر إلا بعد التدرج في مراقي التعينات فقبل الوصول إلى هذا المقام يرى السالك بعض الأسماء الإلهية أبهى من بعض، كالعقول المجردة والملائكة المهيمنة، فيسأل بأبهى وأجمل وأكمل. فإذا وصل إلى مقام القرب المطلق وشهد الرحمة الواسعة والوجود المطلق والظل المنبسط والوجه الباقي، الفاني فيه كل الوجودات والمستهلك فيه كل العوالم من الأجساد المظلمة والأرواح المنورة، يرى أن نسبة المشية الى كلها على السواء فهي مع كل شيء {أينما تولوا فثم وجه الله} (البفرة:115) {وهو معكم}(الحديد:4) {ونحن أقرب إليه منكم}(الواقعة:85) {ونحن أقرب اليه من حبل الوريد}(ق:16). فعند ذلك ينفي الأفضلية ويقول:" كل بهائك بهي وكل جمالك جميل". وما ذكرنا مشترك بين جميع الفقرات وإن كان بعضها بالمقام الأول أنسب وبعضها بالثاني أليق.

وأما ما اختصت به هذه الفقرة: فالبهاء هو الحسن والحسن هو الوجود. فكل خير وبهاء وحسن وسناء فهي من بركات الوجود واظلاله حتى قالوا:" مسألة أن الوجود خير وبهاء بديهية".

فالوجود كله حسن وبهاء ونور وضياء. وكلما كان الوجود أقوى كان البهاء أتم ***48]

Page 47

وأبهى. فالهيولى لخسة وجودها ونقصان فعليتها دار الوحشة والظلمة ومركز الشرور ومنبع الدناءة ويدور عليها رحى الذميمة والكدورة.فهي لنقصان وجودها وضعف نوريتها كالمرأة الذميمة المشفقة عن استعلان قبحها، كما قال الشيخ والدنيا لوقوعها في نعال الوجود وأخيرة تنزلاته يدعى بأسفل السافلين وإن كانت بنظر أهلها بهية حسناء لذيذة، لأن كل حزب بما لديهم فرحون. فإذا ظهر سلطان الآخرة وانكشفت الحقيقة بارتفاع الحجب عن بصيرة القلب وتنبهت الأعين عن نوم الغفلة وبعثت الأنفس عن مراقد الجهالة وعرفت حالها ومرجعها ومآلها وانكشفت ذميمتها وقبحها وظلمتها ووحشتها.

روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يحشر بعض الناس على صور تحسن عندها القردة والخنازير". وهذا الكمال الحيواني والخير البهيمي والسبعي أيضا من بركات الوجود وخيراته ونوره وبهائه.

فكلما خلص الوجود من شوب الاعدام والفقدانات واختلاط الجهل والظلمات يصير بمقدار خلوصه بهيا حسنا. فالعالم المثال أبهى من ظلمات الطبيعة، وعالم الروحانيات والمقربين من المجردات أبهى منهما، والعالم الربوبي أبهى من الكل، لخلوصه عن شوب النقص وتقدسه عن اختلاط الأعدام وتنزهه عن الماهية ولواحقها، بل لا بهاء إلا منه، ولا حسن ولا ضياء إلا لديه، وهو كل البهاء وكله البهاء.

قال السيد المحقق الداماد قدس سره في القبسات على ما نقل:"وهو تعالى كل الوجود وكله الوجود وكل البهاء والكمال وهو كله البهاء والكمال وما سواه على الاطلاق لمعات نوره ورشحات وجوده وظلال ذاته". انتهى.

فهو تعالى بهاء بلا شوب الظلمة، كمال بلاغبار النقيصة، سناء بلا اختلاط الكدورة، لكونه وجودا بلا عدم وإنية بلا مهية، والعالم باعتبار كونه علاقة ومنتسبا إليه وظله المنبسط على الهياكل الظلمانية والرحمة الواسعة على الأرض الهيولائية، بهاء ونور وإشراق وظهور، {قل كل يعمل على شاكلته}(الإسراء:84)، وظل النور نور{ألم تر إلى ربك كيف مد الظل}(الفرقان:45) وباعتبار نفسه هلاك وظلمة ووحشة ونفرة، {كل شيء هالك إلا وجهه}(القصص:88). فالوجه الباقي بعد استهلاك التعينات وفناء المهيات، هو جهة الوجوب المتدلية إليه التي لم تكن مستقلة بالتقوم والتحقق ولا حكم لها بحيالها، فهي بهذا النظر هو. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله:

Page 48

***49]

"لو دليتم الى الأرض السفلى لهبطتم على الله". فهو هو المطلق والبهاء التام لا هوية ولا بهاء لغيره والعالم بجهته السوائية لم يكن له البهاء والهوية ولا الوجود والحقيقة، فهو خيال في خيال والكلي الطبيعي غير موجود. فإذا لم يكن موجودا فكيف يكون له البهاء والنور والشرف والظهور، بل هو النقصان والقصور والهلاك والدثور.

Page 49

***50]

إبانة

إن من الصفات الإلهية ما لها الحيطة التامة على سائر الصفات كالأئمة السبعة ومنها ما لم يكن كذلك وان كانت له المحيطية والمحاطية أيضا. وبهذا يمكن تحصيل الفرق بين صفة البهاء والجمال، فإن البهاء هو الضياء المأخوذ فيه الظهور والبروز دون الجمال. فالصفات الثبوتية كلها جمال وبعضها بهاء. والبهي من أسماء الذات باعتبار ومن أسماء الصفات بآخر ومن أسماء الأفعال باعتبار ثالث وإن كان بأسماء الصفات والأفعال أشبه. والجميل من أسماء الذات بوجه ومن أسماء الصفات بوجه دون أسماء الأفعال، وإن كان بأسماء الصفات أشبه وأنسب، وسيأتي ان شاء الله في شرح قوله (عليه السلام):"اللهم إني أسألك من قولك بأرضاه" ما يفيدك في هذا المقام أيضا.

في ذكر كلام بعض المشايخ

" نقل وكشف "

قال بعض أعاظم المشايخ من أهل السير والمعرفة رضوان الله عليه في كتابه الموسوم بأسرار الصلاة في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم بحسب أسرار الحروف بعد ذكر أخبار، منها ما روي في الكافي والتوحيد والمعاني عن العياشي عن أبي عبدالله عليه السلام: الباء بهاء الله والسين سناء الله والميم مجد الله. والقمي عن الباقر والصادق والرضا عليهم السلام مثله، ولكن بدل مجد الله ملك الله بهذه العبارة.

أقول: يعرف من هذه الأخبار وغيرها مما روي في الأبواب المختلفة أن عالم الحروف عالم في قبال العوالم كلها، وترتيبها أيضا مطابق مع ترتيبها. فالألف كأنه يدل على واجب الوجود، والباء على المخلوق الأول، وهو العقل الأول والنور الأول، وهوبعينه نور نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. ولذا عبر عنه ببهاء الله، لأن البهاء بمعنى الحسن والجمال. والمخلوق الأول إنما هو ظهور جمال الحق، بل التدقيق في معنى البهاء أنه عبارة عن النور مع هيبة ووقار، فهو المساوق لجامع الجمال والجلال انتهى ما رمناه من كلامه زيد في علو مقامه.

أقول: إن الصفات المتقابلة لاجتماعها في عين الوجود بنحو البساطة والتنزه عن الكثرة الكل منطو في الكل، وفي كل صفة جمال جلال، وفي كل جلال جمال، إلا أن بعض الصفات ظهور الجمال وبطون الجلال وبعضها بالعكس. فكل صفة كان الجمال فيها الظاهر فهي صفة الجمال وكل ما كان الجلال فيه الظاهر فهو صفة الجلال. والبهاء وإن كان النور مع هيبة ووقار وجامع للجمال والجلال إلا أن الهيبة فيه بمرتبة البطون والنور بمرتبة الظهور، فهو ***51]

Page 50