فقال هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، إني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر أنه زلل في الرأي، وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر.
وكأنه أحب أن يشرك المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا.
فقال المثنى بن حارثة: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه: جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتك على دينك، وإنا إنما نزلنا بين صيرين: اليمامة، والسماءة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذان الصيران؟ فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا أن لا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا، وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا قرشي قوله: «اليمامة، والسماءة» :
السماءة من أعمال زبيد اليمن، ويقال أيضا لجبل مقري باليمن: سماءة، وفي البداية لابن كثير: السماوة، وهو الذي يدل عليه السياق، إذ هي ماء لكلب، ويقال أيضا: لبادية بين الكوفة والشام، والله أعلم.
قوله: «ما هذان الصيران؟» :
في رواية أبي نعيم: فقال: أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى.
وفي النهاية: الصير: الماء الذي يحضره الناس.
Page 132