400

Shamāʾil al-Rasūl

شمائل الرسول ﷺ

Publisher

دار القمة

Edition

-

Publisher Location

الإسكندرية

من آذوه وكفروا به، من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا.
الفائدة الثّانية:
عظيم شفقة النبي ﷺ بأمته، وأنه لم ينتقم لنفسه منهم، بل غلب عليه جانب الرحمة، مع أن ملك الجبال قد عرض عليه أمرا واحدا وهو الإهلاك، وإذا تدبرت رد النبي ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا»، رأيت فيه:
١- أدبه الجم مع ملك الجبال، مع أنه دونه في المنزلة حيث إن كل ما قاله له ردّا على عرضه أن يهلك من آذوه: «بل أرجو»، ولم يقل له: (لا تفعل)، أو (دعني وشأنهم)، بل ذكر أدنى حرف يفيد الإضراب عن قوله، وهو «بل» . ثم ذكر له السبب الداعي إلى عدم قبوله مبدأ الإهلاك، وهذا أيضا من الأدب الجم.
٢- أدبه مع الله، خالقه ومولاه، ويتمثل في:
أ- قوله ﷺ: «أرجو»، فإذا كان أمر الهداية، بيد الله وحده، فليس للعبد إلا الرجاء.
ب- إعلانه أن خروج الذرية الصالحة، من أصلاب الرجال، إنما هو بأمر الله وتوفيقه حيث ذكر أن فاعل «يخرج»، هو الله قال ﷺ «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم»، فلم ينسب لنفسه شيئا.
٣- كما أنه لم يذكر نفسه أيضا لما ذكر عقيدة من يأمل أن الله سيخرجهم من أصلاب الكفار، فقال «من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» .
الفائدة الثالثة:
عظيم قدرة الله- ﷾ في خلقه، تتمثل في خلق ملك واحد، يوكل إليه أمر الجبال كلها، وهي من أعظم مخلوقات هذا الكون الفسيح، ونعلم منه أيضا، بالغ حكمة الله- ﷿ في تدبير ملكه الواسع، بأن جعل لكل قسم من أقسام ملكه، ملكا ينفّذ أمر الله في هذا الكون، ليس هذا من باب عجز الله، في القيام بذلك وحده- حاشا لله- بل لإظهار حكمته وقوته وعظمته، فالملائكة لا تفعل شيئا إلا بإذنه وأمره، قال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥]، فهو- ﷾ القائم بنفسه على كل ما خلق وذرأ، بما في ذلك ملائكته الكرام الذين وكلوا بأمور عظيمة.
الفائدة الرابعة:
جواز أن يقول العبد: (أنا)، وليس في ذلك حرج، شريطة أن لا يقولها زهوا أو تكبرا، لورود النهي عن ذلك، كما أنه من التكلف أن يقول المسلم: (أنا

1 / 408