وناولت فرانسي المذكرة للناظرة في الصباح التالي وهي ترتعد، وقرأتها السيدة وزامت، ثم نفذت النقل، وناولت فرانسي بطاقتها وطلبت منها أن تمضي لشأنها، وخصوصا أن المدرسة مزدحمة جدا على أي حال.
وقدمت فرانسي نفسها وأوراقها لمدير المدرسة الجديدة، وصافحها المدير وتمنى لها السعادة في مدرسته، وأخذتها العريفة إلى الفصل، وقطعت المدرسة الدرس وقدمتها إلى الفصل، وتطلعت فرانسي إلى صفوف البنات الصغيرات، وكن جميعا يلبسن ملابس رثة ولكن معظمهن نظيفات، وأعطى لها مقعدا خاصا بها وحدها، وانخرطت فرانسي سعيدة في النظام المألوف للمدرسة الجديدة.
ولم تكن المدرسة ولا الأطفال هنا بمثل ما كانت عليه الحال في المدرسة القديمة من وحشية، صحيح أن بعض الأطفال يتسمون بالحقارة والضعة، ولكنها سمة الطفولة الطبيعية وليست تآمرا ولا خبثا، وكانت المدرسات قليلات الصبر وقاسيات في كثير من الأحيان، ولكن قسوتهن لم تبلغ مبلغ الوحشية، ولم يكن هناك أيضا أي عقاب جسماني، وكان الآباء والأمهات أمريكيين راسخين في أمريكيتهم، وقد بلغوا في وعيهم الحقوق التي كفلها لهم دستورهم، مبلغا لا يسمح لهم بتقبل الظلم مستكينين، ولم يكن من الممكن أن يستغلوا أو يستذلوا شأن المهاجرين والجيل الثاني من الأمريكيين.
ووجدت فرانسي أن الشعور الجديد في تلك المدرسة يرجع غالبا إلى ملاحظها، وكان رجلا ذا شعر أبيض ضاربا إلى الحمرة، يناديه المدير نفسه بالسيد جينسون، وله أطفال كثيرون وأحفاد يحبهم جميعا ويعزهم، وكان أبا لجميع الأطفال، يصمم على أن يهبطوا إلى حجرة الفرن لتجف ملابسهم، حين يأتون إلى المدرسة مبتلين في الأيام المطيرة، ويحملهم على خلع جواربهم المبللة على حبل لتجف، ويضع الأحذية البالية الصغيرة في صف أمام الفرن.
وحجرة الفرن مكان طيب ترتاح له النفس، طليت جدرانها بالجير الأبيض، وطلي الفرن الكبير باللون الأحمر، فأصبح يبعث في النفس الراحة والاطمئنان، والنوافذ عالية، وقد أحبت فرانسي أن تجلس هناك وتستمتع بالدفء، وتراقب ألسنة اللهب البرتقالية والزرقاء، وهي تتراقص فوق قطع الفحم الصغيرة (وكان السيد جينسون يترك باب الفرن مفتوحا، حين يجلس الأطفال لتجف ملابسهم)، وفرانسي في الأيام المطيرة تخرج مبكرة وتمشي إلى المدرسة ببطء، حتى تبتل ملابسها وتستمتع بميزة تجفيفها في حجرة الفرن.
ولم يكن مسموحا للسيد جينسون أن يبقي الأطفال خارج الفصل فتجف ملابسهم، ولكنه محبوب من الجميع، ويحترمه كل شخص احتراما كبيرا، فلم يحتج أحد على ما يفعله، وسمعت فرانسي قصصا تدور في المدرسة حول السيد جينسون، سمعت أنه كان في الجامعة ويعرف أكثر مما يعرف المدير، وقالوا: إنه تزوج، وحين أنجب الأطفال قرر أنه إذا اشتغل ملاحظا للمدرسة، فإنه سوف يكسب مالا أكثر من اشتغاله مدرسا، ولكنه على أي حال محبوب ومحترم، ورأته فرانسي مرة في مكتب المدير مرتديا ثوب العمل النظيف المخطط، ويجلس واضعا ساقا فوق ساق ويتكلم في السياسة، وسمعت فرانسي أن المدير يهبط كثيرا إلى حجرة فرن السيد جينسون، ليجلس ويتحدث بضع دقائق، وهو يدخن غليونا مليئا بالطباق.
وكان الطالب الذي يسيء سلوكه لا يرسل إلى مكتب المدير ليؤنب، بل يرسل إلى حجرة السيد جينسون ليتحدث معه، ولم يكن السيد جينسون يوبخ الطفل السيئ السلوك أبدا، وإنما يحدثه عن ابنه الأصغر الذي كان راميا في فريق بروكلين، ويتكلم عن الديمقراطية والمواطنة الصالحة، وعن العالم الصالح حيث يبذل كل فرد فيه غاية جهده من أجل سعادة الآخرين، وكان الطالب المسيء يخرج بعد حديث السيد جينسون، وقد عد في زمرة الأطفال الذين لا يثيرون أية متاعب بعد ذلك.
ومن عادة الأطفال عند التخرج أن يطلبوا من المدير أن يوقع لهم في أول صفحة من دفتر توقيعاتهم من قبيل الاحترام لمركزه، ولكنهم يقدرون كلمة السيد جينسون أكثر، ويطلبون منه أن يوقع في الصفحة الثانية دائما، والمدير يوقع بسرعة بخط كبير خشن، ولكن السيد جينسون لم يكن يفعل ذلك، بل يحتفل بالتوقيع احتفالا، فيأخذ الدفتر إلى مكتبه الكبير المستدير، ويوقد المصباح فوقه، ثم يجلس ويلمع نظارته في عناية، ويختار قلما ويغمسه في الحبر، ثم ينظر إليه ويمسحه ويغمسه مرة أخرى، ثم يوقع اسمه بخط جميل كالنقش على المعدن ويجففه بعناية، وتوقيعه دائما أجمل ما في الدفتر، وإذا أوتيت الشجاعة على أن تطلب منه توقيع ابنه أيضا، فإنه يأخذ الدفتر إلى بيته ويطلب من ابنه الذي كان من فريق الدودجارز ليوقع أيضا، وهذا شيء رائع بالنسبة للصبيان، أما البنات فلم يكن الأمر يهمهن.
وخط السيد جينسون رائع كل الروعة، حتى إنه كان يكتب شهادات الدبلوم إذا طلب منه ذلك.
وكان السيد مورتون والآنسة بيرنستون يأتيان إلى تلك المدرسة أيضا، وحين يقومان بالتدريس يحضر السيد جينسون، ويحشر نفسه في كثير من الأحيان في أحد المقاعد الخلفية، ويستمتع بالدرس أيضا، وفي اليوم البارد يدعو السيد مورتون أو الآنسة بيرنستون إلى حجرته لتناول قدح من القهوة قبل ذهابهما إلى المدرسة التالية، ولديه وعاء يوضع على الغاز وأدوات لصنع القهوة وضعها فوق مائدة صغيرة، ودأب على تقديم قهوة ثقيلة سوداء ساخنة في أقداح سميكة، وكان المدرسان الزائران يحمدان له هذه الروح الطيبة.
Unknown page