(وتحسين حال الإنسان يمكن توقعها، لا عن طريق الدين بقدر ما يمكن توقعها عن طريق العلم والتربية والسياسة التي بها يستطاع إصلاح المجتمع) (١).
وهكذا أصبحت ثورة عصر النهضة المبهمة تملك منهجًا عقليًا ومسارًا محددًا، وبذلك تواجهنا صورة وثنية جديدة أكثر وضوحًا.
وهذا هو المميز الأول للرومانسية، وعنه نشأ تأكيدها على سيادة القلب وحياة النفس الداخلية بمعنى حصر كل الاهتمامات في حدود الكائن البشري، بل في أعماق النفس الفردية، وينتقد الرومانسيون الأدب الكلاسيكى بأنه كان الهدف منه تصوير البشر، لا كما هم فعليًا ولكن كما هم مثاليًا، (٢) مما جعل الأدب تقليدًا وليس تعبيرًا، ولذلك فقد أهمل الرومانسيون الملاحم وحوروا المسرحيات، ونحوا بالأدب منحىً شخصيًا داخليًا، فالكتابة الفنية تأتى في صورة اعترافات أو سيرة ذاتية، والشعر يصبح غنائيًا عاطفيًا يعبر عن المعاني الوجدانية للبشر، كالعشق والفرح والألم، ويبتغى - بالدرجة الأولى - إثارة السامع وامتاعه.
وكان من أبرز العوامل الاجتماعية المهيأة لذلك: طابع الفروسية التي كانت في ريعان شبابها، إذ احتضنت الرومانسية حتى اندمجت في كيانها، وأصبح الرومانسيون اللسان المعبر عن الحياة الفروسية بخصائصها وفضائلها (٣).
وقد أفصح بعض زعماء المذهب عن علاقة رد الفعل القائمة
(١) أشرف على الكتاب: فورستر وفوك: (١/ ٤٤ - ٤٥).
(٢) المصدر السابق: (١/ ١٤٤).
(٣) حول تأثر الفروسية بالشعر العربى أنظر مثلًا: عالم العصور الوسطى ج ج كولتون: (٩٦ - ٩٧)، ترجمة جوزيف نسيم. (دار المعارف).