390

Al-ʿilmaniyya - nashʾatuha wa-taṭawwuruha

العلمانية - نشأتها وتطورها

Publisher

دار الهجرة

والباحث الذي استطاع أن يسد هذه الثغرة هو بافلوف بنظريته عن الأفعال المنعكسة الشرطية، والمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه المدرسة السلوكية هو حيوانية الإنسان وماديته، وذلك نتيجة لإيمانها الأعمى بنظرية داروين، وهو إيمان يبدو جليًا سواء في كتابات بافلوف أو في تجاربه العملية، فقد كانت إحدى المشاكل الكبرى التي يتوهم بافلوف أنه وضع لها العلاج الناجح هي مشكلة نشأة الوعي وتطوره في النوع الإنساني منذ أن كان قردًا إلى أن أصبح إنسانًا.
ويقول أيضًا: "اكتسب عالم الحيوان في مسيرة تطوره حتى بلغ مرحلة الإنسان إضافة فريدة مكملة لميكانزم النشاط العصبي" (١)، ويعني بذلك النظم الإشاري.
أما خلاصتها الفكرية فتتمثل في إنكار الروح وإنكار استقلالية العقل، والإيمان بالجسد وحده، واعتبار السلوك البشري بأكمله أفعالًا شرطية منعكسة لا غير أي: أن السلوكية تدعم النظرية الماركسية القائلة أن واقع الناس هو الذي يعين مشاعرهم، وتسند نظرية أنجلز في أن العمل هو الذي خلق الإنسان أي طوره عن القردة، ومن هنا أطلق عليها الفيلسوف جود اسم المادية الحديثة (٢).
وعن ذلك يتحدث هاري ويلز قائلًا: "ونظرية بافلوف عن نظام الكلام وهو نظام قاصر على الإنسان وحده، هي النظرية التي تملأ الثغرة التي أشار إليها أنجلز في كتابه عن الانتقال من مرحلة القردة إلى الإنسان".
وهكذا نجد أن نظرية بافلوف عن العمليات العصبية الراقية إذ تملأ تلك الثغرة في المعرفة البشرية إنما تقدم إسهامًا جليلًا للمادية،

(١) المصدر السابق: (٨١، ٨٣).
(٢) انظر الفصل الذي كتبه عنها في منازع الفكر الحديث.

1 / 399