لمن يسايرها، وهو إرهاب معنوى يقوم بالدور نفسه الذي كانت السلطة الكهنوتية تمارسه، كما أن لأحرار الفكر طغيانهم الفكري الذي يضارع طغيان الكنيسة، وكيف لا يكون كذلك وهو إنما نشأ رد فعل له؟ فحين تفرض الكنيسة بالقوة أن يؤمن الإنسان بالثالوث رغم أنفه، كذلك يوجب هؤلاء أن يكون الإنسان ملحدًا رغم أنفه، والفرق بينهما هو مصدر الإرغام فقط.
يقول وليم جيمس: "لا يزال بعض رجال المذهب الوضعي ينادي اليوم قائلًا: هناك إله واحد مقدس يقف في جلاله وعظمته بين أنقاض كل إله غيره وكل وثن، وهو الحقيقة العلمية، وليس له إلا أمر واحد وقول واحد وهو: أن ليس لكم أن تؤمنوا بإله" (١).
وعندما يحرج الباحث العلمي في مأزق لا يستطيع معه إلا أن يقول: (الله) كما في مسألة نشأة الحياة، وأصل الكون وأمثالها، فماذا يصنع؟ أيساير العقل والفطرة فيصرح بذلك، ويعد نفسه مخلًا بأسلوب البحث العلمي، ومقصرًا في متابعة المنهج العلمي السليم، أم يتوقف عن المسألة نهائيًا؟
إن رواد الفكر الحر! قد سبقوا إلى حل المعضلة، ووضعوا أمام الباحث خيارًا بين أساليب أحلاها مر، معتقدين أنها تؤدي إلى المقصود دون إخلال بالمنهج العلمي منها:
١ - استعمال صيغة الفعل اللازم وإسناده إلى ما حقه أن يكون مفعولًا في الأصل، ويظهر ذلك جليًا
في أسلوب (جيمس جينز) عند حديثه عن نشأة الحياة الأولى، فهو يقول: "الأرض مغطاة بالسحب بشكل يسمح بنفاذ ضوء الشمس ويجعل درجة الحرارة ثابتة رغم شدة البرد ليلًا ...
(١) العقل والدين: (٩٨).