Ṣafwat al-ʿaṣr fī tārīkh wa-rusūm mashāhīr rijāl Miṣr
صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر
Genres
ومما يروى عن سبب اتساع تجارتهما أن حضرت خادمة من قصر سمو البرنس مصطفى فاضل باشا، واشترت من هذا الفقيد ثوبي دنتلة بمبلغ ستة عشر قرشا تعريفة، فأخطأت ودفعت إليه ستة عشر قرشا صاغا، ونظرا لاشتغاله بالمشترين الآخرين فلم ينتبه إلى ما دفعت تلك الخادمة إلا بعد انصرافها، التي لم يعلم لها مكانا، فاتفق أن حضرت إليه في اليوم التالي لتبتاع ثوبين آخرين، وعند دفعها الثمن أخبرها بأن ثمنها ثمانية قروش صاغ فقط، وأن الثمن قبضه منها بالأمس - مشيرا إلى الخطأ الذي وقع في تقدير الثمن في اليوم الذي قبله - وأعطاها بعد ذلك الثوبين، فتحدثت تلك الخادمة بذلك في القصر، وشاعت أمانة ذلك التاجر النزيه في الطبقة العليا، فأقبلوا على معاملته وازدادت أرباحه، وانتقل في سنة 1881م إلى حانوت أكبر منه في الموسكي مطل على الخليج، ثم جرى توسيعه بعد ذلك كما أنه أخذ محلا آخر أمامه جعله مقرا لإدارة حساباته ومكتبا للكتبة، واتسعت الشركة وامتدت فروعها إلى الأقاليم وفي الخارج، ولما أخذا ذلك المحل اجتمعا الأخوان للتعاون على العمل وظل محل الحمزاوي لهما، وما زالت أشغالهما تتسع ورأس مالهما يكبر، وكلما ضاق المحل وسعاه حتى لم يبق سبيل إلى توسيعه فأخذا محلا تجاهه جعلاه المحل المركزي، وهو الذي نوهنا عنه، الخاص لإدارة الحسابات.
وقد بنوا لمحل تجارتهم عمارة كبيرة أتت من أجمل العمارات في ميدان الخازندار بالقاهرة، وانضم لإدارة المحل الخواجات يوسف وجورج أولاد سمعان بك وجناب الخواجة الياس بن الفقيد، بعد أن تخرجوا من الكليات العلمية العالية متعلمين وعالمين كيف تدار الأشغال.
أما العبرة بما تقدم، فهي أن نجاح هذين الإخوين حجة واقعة على أن الاستقامة والصدق ضروريان للنجاح، ولا يكون مأمونا إن لم يتعهده أصحابه بالإحسان زكاة أو صدقة تكون حائلا لغوائل الحسد؛ ليس لأن الحسد يضر المحسودين، ولكن الإنسان إذا ارتقى بابا من أبواب النجاح كثر حساده، ومن الناس من لا يهمه ما يقال عنه، وإنما يهمه أن تزيد ثروته أحبه الناس أو أبغضوه، أما الصيدناويان فإنهما أفضل مثال لما ينبغي أن يكون عليه رجال الثروة وأهل الجاه، وهما مع ثروتهما وجاههما يتوخيان البساطة في أساليب معاشهما، ويبذلان الألوف في إعانة الفقراء، وهما مثال في الجد والنشاط، يشتغلان من الصباح إلى ما بعد العشاء شغلا شاقا يعرفه كل من زار محلهما ورأى حكمة العمل فيه.
ترجمة حضرة الفاضل الأستاذ الفني السيد أفندي فرج
كلمة للمؤرخ
بارك الله في شبابنا الناهض، الذي شمر عن ساعد الجد، وبرهن على الكفاءة التامة في ميدان العمل، فإن الأمم لا تنال الرقي، ولا التقدم في مدارج الفلاح والنجاح إلا بهمة شبابها ونهوضه، وخلع رداء الكسل، والتحلي بثوب العمل بما فيه رفعتها، وعلو شأنها، وإن شبابنا هو الأمثلة الحية، والمعاني السامية، التي نكاد نلمسها باليد، ونبصرها بالعين، ومن هؤلاء الأفاضل العاملين المجدين حضرة الأستاذ الفني القدير السيد أفندي فرج، صاحب هذه الترجمة الذي أجهد نفسه في تعليم سر الصناعة فوفق لإدراك بغيته، وتحقيق أمنيته.
مولده ونشأته
ولد صاحب الترجمة بمصر عام 1301ه، ونشأ بها وما جاء دور التمييز في الطفولة حتى استظل بسماء مدينة طنطا حيث كان والده ملاحظا لمحطتها، والتحق هناك بإحدى المكاتب عادة كل طفل مصري.
حضرة الأستاذ الفني السيد أفندي فرج صاحب محلات الفضة وفابريقة السراير بمصر.
وقد ضن عليه والده أن يكون في مكتب صغير فعزم على إلحاقه بإحدى المدارس الابتدائية الأميرية، وما جاء موعد قبول التلاميذ إلا وكان والده مدرسا بمدرسة المنصورة الصناعية الأميرية، فألحقه بمدرستها الابتدائية الأميرية، ومنها نقل إلى السويس، وكان صاحب الترجمة يبلغ من العمر إذ ذاك الرابعة عشرة، وقد كاشف والده رغبته في إلحاقه معه فجاء لوالده الأمر بانتقاله إلى عاصمة القطر بالمهمات الحربية بالحوض المرصود، ومن ذاك الحين أخذ يجهد نفسه في تعليم سر الصناعة فوفق لإدراك ما يتمنى وشعر بتشجيع كبير من أمياله، وكان أكبر باعث على إدراك آماله وجوده مع حضرة والده في كل أدوار حياته، وتنقله معه في كل مركز من مراكزه الصناعية حتى جاء دور العمل الحقيقي، فانتخب والده رئيسا لمدرسة الفيوم الصناعية والتحق صاحب الترجمة مساعدا له، وكان إذ ذاك شابا فتيا فأدرك أن الحياة جهاد، وأن المرء يجب أن يحقق كل ما يجول بخاطره ما دام يعتقد أن في ذلك نفعا لبلاده، وفائدة لأمته.
Unknown page