Safar-Nāma
سفر نامه
Editor
د. يحيى الخشاب
Publisher
دار الكتاب الجديد - بيروت
Edition
الثالثة، 1983
سفر نامه ناصر خسرو
Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما يقول أبو معين الدين ناصر خسرو القبادياني المروزي تاب الله عنه كانت صناعتي الإنشاء وكنت من المتصرفين في أموال السلطان وأعماله واشتغلت بالديوان وباشرت هذا العمل مدة من الزمن وذاع صيتي بين أقراني وفي ربيع الآخر سنة 437 أيام أبي سليمان جغري بيك داود بن ميكائيل بن سلجوق حاكم خراسان ذهبت من مرو في عمل للديوان ونزلت في بنج ديه مرو الرود كان ذلك يوم قران الرأس والمشتري ويقال إن الله تعالى وتقدس يستجيب فيه إلى ما يطلب الناس من حاجات فذهبت إلى زاوية وصليت ركعتين ودعوته تعالى وتبارك أن ييسر لي أمري فلما عدت لأصدقائي وأصحابي وجدت أحدهم ينشد شعرا فارسيا فجال بخاطري أبيات فكتبتها على ورقة لأعطيه إياها حتى ينشدها فإذا به ينشد ما كتبت من شعر ولما أعطه الورقة فتفاءلت بهذه الحال وقلت في نفسي إن الله تعالى وتبارك قد قضى حاجتي ثم ذهبت إلى جزجانان فمكثت بها حوالي شهر وظللت أشرب الخمر
Page 33
قال النبي صلى الله عليه وسلم {قولوا الحق ولو على أنفسكم} حتى إذا كانت ذات ليلة رأيت في المنام رجلا يقول لي إلى متى تشرب هذا الشراب الذي يسلب لب الرجال خير لك أن تصحو فأجبت إن الحكماء لا يستطيعون شيئا غير هذا يقلل هموم الدنيا فأجاب إن التسرية عن النفس لا تتأتى بفقد الشعور والعقل والحكيم لا يستطيع أن يقول إن الرجل المسلوب الفؤاد يصلح هاديا للناس بل ينبغي عليه أن يبحث عما يزيد العقل والحكمة قلت وأنى لي هذا قال من جد وجد ثم أشار إلى القبلة ولم يقل شيئا فلما صحوت من النوم كانت هذه الرؤيا ماثلة بأكملها أمامي وقد أثرت في فقلت لنفسي صحوت من نوم البارحة وينبغي أن أصحو من نوم أربعين سنة خلت وأمعنت الفكر فوجدتني لن أسعد ما لم أعدل عن كل سلوكي
وفي يوم الخميس من جمادي الآخر سنة 437 (20 ديسمبر 1045) منتصف شهر دي من السنة الفارسية 410 من التقويم اليزدجردي اغتسلت وذهبت إلى الجامع فصليت ودعوت الله تبارك وتعالى أن يعينني على أداء الواجب وعلى ترك المنهيات والسيئات كما أمر الحق سبحانه تعالى
Page 34
ثم توجهت من هناك إلى شبورغان وفي المساء كنت في قرية بارياب ومنها سرت إلى مرو الرود عن طريق سنكلان وطالقان فلما بلغت مرو طلبت إعفائي مما عهد إلي من عمل وقلت إني عازم على الحج ثم أديت ما علي من حساب وتركت أموالي عدا القليل الضروري منها
وفي الثالث والعشرين من شعبان (6 مارس 1046) عزمت على السفر إلى نيشابور فسرت من مرو إلى سرخس وهي على ثلاثين فرسخا منها ومن سرخس إلى نيشابور أربعون فرسخا وقد بلغتها يوم السبت الحادي عشر من شوال (22 ابريل 1046) ويوم الأربعاء آخر هذا الشهر كسفت الشمس وكان الحاكم حينئذ طغرل بيك محمد أخو جغري بيك وكانوا يشيدون مدرسة بقرب سوق السراجين أمر ببنائها وقد ذهب أثناء ولايته لأول مرة للاستيلاء على ولاية اصفهان
وفي الثاني من ذي القعدة (12 مايو 1046) غادرت نيشابور في صحبة الأستاذ الموفق الذي كان مؤدبا للسلطان فبلغنا قومس عن طريق كوان وزرت الشيخ بايزيد البسطامي قدس الله روحه
وفي الجمعة الثامن من ذي القعدة (18 مايو 1046) سرت إلى دامغان
Page 35
ثم بلغت سمنان عن طريق آنجوري وجاشت خواران في غرة ذي الحجة سنة 437 (9 يونيو 1046) وقد مكثت هناك زمنا وتعرفت بأهل العلم وقد دلوني على رجل اسمه علي النسائي وهو شاب يتكلم الفارسية بلهجة الديالمة كان شعر رأسه مرسلا وكان وهو يتكلم يقول إني قرأت كذا على الأستاذ أبي علي سينا رحمه الله وهكذا سمعت عنه لكي أعرف أنه تلميذ ابن سينا ولما ناظرته قال إني قليل المعرفة بكل علم وأحب أن أقرأ معك قليلا في الحساب فخرجت متعجبا قلت ماذا يعلم الآخرين وهو لا يعلم شيئا
وعدت من بلخ إلى الري ثلاثمائة وخمسين فرسخا ويقال إنه من الري إلى ساوه ثلاثون فرسخا ومن ساوه إلى همدان كذلك ومن الري إلى أصفهان خمسون فرسخا وإلى آمل ثلاثون وبين الري وآمل جبل دماوند وهو كالقبة ويسمى لواسان ويقال إن بقمته بئرا يستخرج منه النوشادر ويقال والكبريت أيضا فيصعد عليها رجال يحملون جلود البقر ويملئونها بالنوشادر ثم يدحرجونها من قمة الجبل لتعذر إيجاد طريق لنقلها
وفي الخامس من محرم سنة 43 {13 يوليو 1046) الموافق العاشر من شهر مرداد سنة 415 من تاريخ الفرس توجهت ناحية قزوين فبلغت قرية قوهة وكان بها قحط حتى بيع المن من خبز الشعير بدرهمين وقد غادرتها في التاسع من محرم (17 يوليو) فبلغت قزوين وهي آهلة بالحدائق التي لا تحدها أسوار أو أشواك فلا يحول دون دخولها عائق رأيت قزوين مدينة عظيمة ذات حصن مكين عليه شرفات وبها أسواق جميلة إلا أن الماء بها قليل وهو يجري في قنوات تحت الأرض وكان حاكمها رجلا من العلويين ويشتغل معظم صناعها بصناعة الأحذية
وفي الثاني عشر من محرم سنة 43 {20 يوليو 1046) غادرت قزوين عن طريق بيل وقبان وهما من ضواحيها وسرت إلى قرية تسمى خرزويل
Page 36
كان معنا أنا وأخي وغلام هندي كان يصحبنا زاد قليل فذهب أخي للقرية ليشتري شيئا من البقال فقال له أحدهم ماذا تريد أنا البقال فقلت كل ما عندك يناسبنا فإنا غرباء وعابرو سبيل فقال ليس عندي شيء أبدا وبعد ذلك كنت أقول إنه بقال خرزويل عن كل شخص في أي مكان يقول كلاما من هذا النوع
بعد مغادرة هذه القرية جزنا منحدرا صعبا وبعد مسيرة ثلاثة فراسخ بلغنا قرية تسمى الخير من أعمال طارم كان جوها حارا وبها شجر كثير من الرمان والتين ومعظمه بري ومن هناك اجتزنا نهرا يسمى شاه رود عليه قرية تسمى خندان تجبى فيها المكوس من قبل أمير الأمراء وهو من ملوك الديلم وحين يخرج النهر منها يلتقي بنهر آخر اسمه سبيدرود ثم يدخل النهران واديا شرقي جبال جيلان ويمر النهر بجيلان ثم يصب في بحر آبسكون بحر قزوين ويقال إن ألفا وأربعمائة نهر تصب في هذا البحر الذي يقال إن محيطه ألف ومائتا فرسخ وإن في وسطه جزائر آهلة بالسكان وقد سمعت هذا من كثرين
والآن أعود إلى رحلتي وما كان فيها
ومن خندان إلى شميران ثلاثة فراسخ من صحراء صخرية كلها وشميران قصبة ولاية طارم وعلى حافة المدينة قلعة مرتفعة مشيدة على صخر صلد محاطة بثلاثة أسوار وقد حفرت في وسطها قناة تجري حتى شاطىء النهر ومنها يستخرجون الماء ويحملونه إلى القلعة ويقيم بها ألف رجل مختار من أبناء عظماء الولاية وذلك حتى لا يستطيع أحد أن يضل أو يثور ويقال إن لهذا الأمير قلاعا كثيرة في ولاية الديلم وإن العدل والأمن مستتبان بها فلا يستطيع أحد أن يغتصب شيئا من غيره بل إن الناس هناك يدخلون مسجد الجمعة ويتركون أحذيتهم خارجة فلا يأخذها أحد ويكتب هذا الأمير اسمه هكذا مرزبان الديلم جيل جيلان أبو صالح
Page 37
مولي أمير المؤمنين واسمه جستان إبراهيم وقد رأيت في شميران رجلا طيبا من دربند اسمه أبو الفضل خليفة بن علي الفيلسوف كان رجلا فاضلا أضافنا وأكرمنا وقد تناظرنا معا واتصلت بيننا الصداقة سألني علام عزمت فقلت أني أنوي الحج قال أريد أن تمر بنا في عودتك حتى أراك
وفي السادس والعشرين من محرم (3 أغسطس 1046) غادرت شميران وفي الرابع عشر من صفر (21 أغسطس) بلغت مدينة سراب وغادرتها في السادس عشر (23 أغسطس) ثم مررت بسعيد آباد وبلغت تبريز في عشرين صفر 43 {27 أغسطس 1046) وكان ذلك في الخامس من شهر يور الشهر القديم وتبريز قصبة ولاية آذربيجان وهي مدينة عامرة وقد قست طولها وعرضها فكان كل منهما الفا وأربعمائة قدم وكان ملك ولاية آذربيجان يذكر هكذا في الخطبة الأمير الأجل سيف الدولة وشرف الملة أبو منصور وهسودان بن محمد مولى أمير المؤمنين وحكوا لي أنه في ليلة الخميس السابع عشر من ربيع الأول 434 (5 ديسمبر 1042) في الأيام المسترقة بعد العشاء زلزلت الأرض فخرب جزء من المدينة ولم يصب الجزء الآخر بسوء ويقال إنه هلك فيها حينئذ أربعون ألف نسمة ورأيت في تبريز شاعرا اسمه قطران يقول شعر
Page 38
جميلا ولكنه لم يكن يجيد الفارسية وقد زارني ومعه ديواني منجيك والدقيقي وقرأ علي منهما وسألني عما أشكل عليه من المعاني فكنت أجيبه وهو يكتب ما أقول ثم تلى علي شيئا من أشعاره
في الرابع عشر من ربيع الأول (19 سبتمبر) غادرت تبريز عن طريق مرند مع جماعة من جيش الأمير وهسودان فسرنا حتى بلغنا خوى ومن هناك سرنا إلى بر كري بصحبة رسول ومن خوى إلى بركزي ثلاثون فرسخا وقد بلغناها في الثاني عشر من جمادى الأولى (16 نوفمبر) ومن هناك ذهبنا إلى وان ثم إلى وسطان وكان لحم الخنزير يباع في سوقها كما يباع الضأن ويجلس نساؤها ورجالها أمام الحوانيت ويشربون بغير حياء
ومن هناك بلغنا مدينة أخلاط في الثامن عشر من جمادى الأولى (22 نوفمبر) وهي على الحدود ما بين بلاد المسلمين والأرمن وبينها
Page 39
وبين بركري تسعة عشر فرسخا وعليها أمير اسمه نصر الدولة نيف على المائة وله أبناء كثيرون أعطى كلا منهم ولاية ويتكلمون بها ثلاث لغات العربية والفارسية والأرمنية وأظن أنها سميت أخلاط لهذا السبب والمعاملة هناك بالنقود النحاسية ورطلهم ثلاثمائة درهم
في العشرين من جمادى الأول (24 نوفمبر) غادرنا أخلاط ونزلنا في رباط كروانسراي كانت السماء تمطر ثلجا والبرد قارسا وقد غرسوا في جزء من الطريق عمدا ليسير المسافرون على هديها أيام الثلج والضباب ثم بلغنا مدينة بطليس وهي واقعة في واد وقد اشترينا منها عسلا المائة من بدينار حسب ما باعونا ويقال إن بها من يجني في السنة الواحدة ثلاثمائة وأربعمائة جرة عسل
وخرجنا منها فرأينا قلعة تسمى قف انظر وتركناها إلى مكان به جامع يقال بناه اويس القرني قدس الله روحه ورأيت الناس عند حدوده يطوفون بالجبل ويقطعون أشجارا تشبه السرو فسألت ماذا تعملون بها فقالوا نضع طرفا من الشجرة في النار فيخرج هذا القطران من طرفها الآخر فنجمعه في البئر ثم نضعه في أوعية ونحمله إلى الأطراف وهذه الولايات التي ذكرت بعد أخلاط وقد اختصرنا ذكرها هنا
Page 40
تابعة لميافارقين
ثم سرنا إلى مدينة أرزن وهي مدينة عامرة وجميلة فيها أنهار جارية وبساتين وأشجار وأسواق جميلة ويبيع البرسيون هناك المائتا من عنبا بدينار واحد في شهر آذر نوفمبر وديسمبر ويسمون هذا العنب رز إرمانوش
وانتقلنا إلى مدينة ميافارقين التي يفصلها عن أخلاط ثمانية وعشرون فرسخا ومن بلخ إليها عن الطريق الذي إجتزناه إثنان وخمسون وخمسمائة فرسخ وقد دخلناها يوم الجمعة السادس والعشرين من جمادي الأول 33 {23 نوفمبر 1036) وكانت أوراق الشجر حينئذ لا تزال خضراء وميافارقين محاطة بسور عظيم من الحجر الأبيض الذي يزن الحجر منه خمسمائة من وعلى بعد كل خمسين ذراعا من هذا السور برج عظيم من الحجر نفسه وفي أعلاه شرفات وهي من الدقة بحيث تقول أن يد بناء ماهر أكملتها اليوم ولهذه المدينة باب من ناحية الغرب له عتبة عليها طاق حجري وقد ركب عليها باب من حديد لا خشب فيه ويطول وصف مسجد الجمعة بها لو ذكرته ولو أن صاحب الكتاب شرح كل شيء أتم الشرح وقد قال إن للميضأة التي عملت بهذا المسجد أربعين مرحاضا تمر أمامها قناتان كبيرتان الأولى ظاهرة ليستعمل ماؤها والثانية وهي تحت الأرض لحمل الثفل وللصرف وخارج هذه المدينة في الربض أربطة كروانسراها وأسواق وحمامات ومسجد وجامع آخر يصلون فيه الجمعة ايضا وفي ناحية الشمال سواد آخر يسمى المحدثة به سوق ومسجد
Page 41