Rufaqāʾ ṭarīq
رفقاء طريق
Publisher
دار القاسم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد:
فإن الإسلام دين صفاء ونقاء وأخوة ومودة، يظهر ذلك جليًا في آيات كثيرة من كتاب الله ﷿، وفي سنة نبيه ﷺ.
وقد اخترت للأخ القارئ نماذج من الرفقة الصالحة قولًا وفعلًا لأهميتها في عصرنا الحاضر اقتداء وتأسيًا.
وهذا هو الجزء الرابع عشر من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «رفقاء طريق».
أدعو الله ﷿ أن يعيننا على أداء حقوق الأخوة الصادقة وأن يجمعنا وأحبتنا تحت ظل عرشه إخوة متحابين.
عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم
1 / 3
مدخل
إن الإنسان وهو يسير في هذه الدنيا ويقطع مراحل حياته فيها يحتاج إلى من يؤانسه في الطريق ويسلي وحدته في السفر .. ويكون له عونًا عند نزول الملمات والحوادث، يفرح لفرحه ويحزن لحزنه ... أصاب من الدين أوفره ومن الأدب أكثره ... جمع الله له بين الدين والخلق.
إنه الأخ المسلم الناصح المشفق .. صاحب الخلق والدين.
ولا يخفى أن ثمرة الخلق الحسن الألفة وانقطاع الوحشة، ومهما طاب الثمر طابت الثمرة، وكيف وقد ورد في الثناء على نفس الألفة سيما إذا كانت الرابطة هي التقوى والدين وحب الله من الآيات والأخبار والآثار ما فيه كفاية ومقنع، قال الله تعالى مظهرًا عظيم منته على الخلق بنعمة الألفة: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. أي بالألفة، ثم ذم التفرقة وزجر عنها فقال عز من قائل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ إلى ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢)، وقال ﷺ: «إن أقربكم مني مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافًا الذين يألفون
(١) الأنفال: ٦٣.
(٢) آل عمران ١٠٣.
(*) رواه الطبراني وصححه الألباني.
1 / 4
ويؤلفون» (*) (١)
أخي المسلم:
إن التحاب في الله والأخوة في دينه من أفضل القربات، وألطف ما يستفاد من الطاعات في مجاري العادات ولها شروط بها يلتحق المتصاحبون بالمتحابين في الله تعالى، وفيها حقوق بمراعاتها تصفو الأخوة عن شوائب الكدورات ونزعات الشيطان، فبالقيام بحقوقها يتقرب إلى الله زلفى، وبالمحافظة عليها تنال الدرجات العلى (٢).
واعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٣). ولابد أن يتميز الصاحب بخصال وصفات يرغب بسببها في صحبته وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة.
ويطلب من الصحبة فوائد دينية ودنيوية:
أما الدنيوية، كالانتفاع بالمال أو الجاه أو مجرد الاستئناس بالمشاهدة.
أما الدينية، فيجتمع فيها أيضًا أغراض مختلفة منها الاستفادة
(١) الإحياء ٢/ ١٧١.
(٢) الإحياء ٢/ ١٧١.
(٣) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال النووي: إسناده صحيح.
1 / 5
من العلم والعمل، ومنها الاستفادة من الجاه تحصنًا به عن إيذاء من يشوش القلب ويصد عن العبادة، ومنها استفادة المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات في طلب القوت، ومنها الاستعانة في المهمات فيكون عدة في المصائب وقوة في الأحوال (١).
أخي المسلم: ينبغي فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلًا حسن الخلق، غير فاسق، ولا مبتدع، ولا حريص على الدنيا (٢).
وقد أثنى جل وعلا على الصحبة الطيبة وجعلها سببًا لدخول الجنة ..
قال ﷺ: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٣)، وقال ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ...» (٤).
بل ورفع الله ﷿ ذكر الكلب برفقته للصالحين فقال
(١) الإحياء ٢/ ١٨٥.
(٢) الإحياء ٢/ ١٨٦.
(٣) رواه مسلم.
(٤) متفق عليه.
1 / 6
تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (١).
إن الخليل هو المرآة التي تعكس صورتك للناس وتريهم من تكون ... فالمرء على دين خليله، فلينظر المرء من يخالل.
قال أبو سليمان: قوله «المرء على دين خليله» معناه: لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته، فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه ... ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيًا في دينه ومذهبه (٢).
أنت في الناس تقاس ... بمن اخترت خليلا
فاصحب الأخيار تعلو ... وتنل ذكرًا جميلا
وانظر أخي المسلم إلى موقف الأخلاء من بعض يوم القيامة وهو أهم المواقف وأعظمها شأنًا، قال جل وعلا يصف حالتهم: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
* وفي وصف عجيب وتصوير دقيق للصحبة وأثرها قال رسول الله ﷺ: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن
(١) سورة الكهف الآية: ٢٢.
(٢) العزلة ٥١٠.
(٣) الزخرف ٦٧.
1 / 7
تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة» (١).
وقال علي ﵁: عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة، ألا تسمع قول أهل النار ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (٢).
وللأخوة حقوق قد ذكرها عطاء بن ميسرة بقوله: تعاهدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم، وإن كانوا نسوا فذكروهم (٣).
ولاشك أن لكل إنسان عيبًا وفي كل مخلوق نقصًا ... من أولئك أيضًا من اخترتهم للصحبة واصطفيتهم للرفقة ولكن:
إن تجد عيبًا فسد الخللا ... فجل من لا عيب فيه وعلا (٤)
قال أبو علي الرباطي: صحبت عبد الله الرازي وكان يدخل البادية، فقال: علي أن تكون أنت الأمير أو أنا؟، فقلت: بل أنت، فقال: وعليك الطاعة، فقلت: نعم فأخذ مخلاة ووضع فيها الزاد وحملها على ظهره ... فإذا قلت له أعطني، قال: ألست قلت: أنت
(١) متفق عليه.
(٢) الإحياء ٢/ ١٧٥.
(٣) حلية الأولياء ٥/ ١٩٨.
(٤) البداية والنهاية ١٤/ ١٦٠.
1 / 8
الأمير، فعليك الطاعة، فأخذنا المطر ليلة فوقف على رأسي إلى الصباح وعليه كساء وأنا جالس يمنع عني المطر ... فكنت أقول مع نفسي: ليتني مت ولم أقل: أنت الأمير (١).
أين أخي الحبيب هؤلاء من رفقة اليوم .. وصحبة هذا الزمن؟ !
ولهذا قال المأمون: الإخوان ثلاثة: أحدهم: مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه، والآخر: مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت، والثالث: مثله مثل الداء لا يحتاج إليه قط .. ولكن العبد قد يبتلى به وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع ..
وقد قيل: مثل جملة الناس كمثل الشجر والنبات .. فمنها ما له ظل وليس له ثمر وهو مثل الذي ينتفع به في الدنيا دون الآخرة فإن نفع الدنيا كالظل السريع الزوال ومنها ما له ثمر وليس له ظل وهو مثل الذي يصلح للآخرة دون الدنيا، ومنها ما له ثمر وظل جميعًا، ومنها ما ليس له واحد منهما كأم غيلان تمزق النبات ولا طعم فيها ولا شراب، ومثله من الحيوانات الفأرة والعقرب.
الناس شتى إذا ما أنت ذقتهم لا ... يستوون كما لا يستوي الشجر
هذا له ثمر حلو مذاقته ... وذاك ليس له طعم ولا ثمر (٢)
(١) الإحياء ٢/ ١٩٩.
(٢) الإحياء ٢/ ١٨٧.
1 / 9
ولكن أخي الكريم عليك بحسن الاختيار ... والحرص والتحري .. وانظر مع من تجتمع؟ وعلى ماذا تجتمع؟ وكيف تختار الأصدقاء؟ ! أهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فأعانوا على الطاعة الاستقامة والسير إلى الله أم هم أهل الضياع والضلال والخسران؟ !
فإن الاجتماع بالإخوان قسمان:
أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.
الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات: إحداها: تزين بعضهم لبعض.
الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود، وبالجملة، فالاجتماع والخلطة لقاح إما للنفس الأمارة وإما للقلب والنفس المطمئنة، والنتيجة مستفادة من اللقاح، فمن طاب لقاحه طابت ثمرته، وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة من الشيطان، وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك (١).
(١) الفوائد ٦٨.
1 / 10
قال أبو حاتم: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف، والكريم يجل الكرام، ولا يهين اللئام، ولا يؤذي العاقل، ولا يمازح الأحمق، ولا يعاشر الفاجر، مؤثرًا إخوانه على نفسه باذلًا ما ملك، إذا اطلع على رغبة من أخ لم يدع مكافأتها، وإذا عرف منه مودة لم ينظر في قلق العداوة، وإذا أعطاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء (١).
وإذا صاحبت فاصحب صاحبًا ... ذا حياء وعفاف وكرم
قائلًا للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نعم (٢)
وليست موافقة الصاحب مقصورة على الحياة فحسب بل إن نفع هذا الخليل يمتد إلى ما بعد ذلك وهو استمرار لهذه المحبة الصادقة والأخوة الظاهرة فقد كان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول: وأين مثل الأخ الصالح؟ أهلك يقتسمون ميراثك ويتنعمون مما خلفت، وهو منفرد بحزنك مهتم مما قدمت وما صرت إليه يدعو لك في ظلمات الليل وأنت تحت أطباق الثرى (٣).
ورأينا هذا الفعل في كثير من الأخلاء الصالحين ... يتصدقون
(١) روضة العقلاء ١٧٣.
(٢) شذرات الذهب ١/ ٩٧.
(٣) الإحياء ٢/ ٢٠٢.
1 / 11
عن صاحبهم ويدعون له .. وما ذكر في مجلس إلا ترحموا عليه ودعوا له بالمغفرة ولسان أحدهم يقول:
ولقد نظرت فلم أجد يهدى لكم ... غير الدعاء المستجاب الصالح (١)
ومثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى .. فهما يتعاونان في إصلاح بعضهما وكذلك يتشاركان في السراء والضراء .. وكل منهما للآخر معين ومساعد ... يعينه في سير الدنيا إلى الآخرة.
أخي المسلم: إذا لم تجد رفيقًا صالحًا وأخًا في الله فإن الوحدة وقراءة القرآن خير لك، والكتب النافعة أثمر والتزود من الطاعات أجدى وأنفع .. وقس الأمر وانظر أين الخير؟ !
فقد قال مالك بن دينار: كل جليس لا تستفيد منه خيرًا فاجتنبه (٢).
وقال بكر بن محمد العابد: قال لي داود الطائي: يا بكر، استوحش من الناس كما تستوحش من السبع (٣).
وقال عبد العزيز بن الخطاب: رؤي إلى جنب مالك بن دينار كلب عظيم ضخم أسود رابض، فقيل له: يا أبا يحيى، ألا ترى هذا
(١) شذرات الذهب ٧/ ٨٥.
(٢) حلية الأولياء ٢/ ٣٧٢.
(٣) روضة العقلاء ٨٢.
1 / 12