Risālat al-sijzī ilā ahl zubayd fī al-radd ʿalā man ankara al-ḥarf waʾl-ṣawt

رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت

Editor

محمد با كريم با عبد الله

Publisher

عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية،المدينة المنورة

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٢٣هـ/٢٠٠٢م

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت.
تأليف: أبي النصر عبيد الله بن سعيد ابن حاتم الوائلي السجزي.
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
من يهده الله فلا مضل له، ومِن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
أما بعد: فإن من تمام حفظ الله ﵎ لهذا الدين أن هيأ له علماء عاملين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
ولقد كان في كل عصر منهم أفاضل لهم في الذّبِّ عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والرّدِّ على أهل البدع والانحراف جهود مشكورة، وآثار مشهورة. كان من أعلامهم في القرن الخامس الهجري إمام من أئمة

1 / 7

أوراقها، وعدد أسطرها وكلماتها. ونوع الخط ووصفه وذكرت نماذج منه، وأخيرا السماعات والتملكات التي على النسخة.
الفصل الثالث: منهجي في التحقيق والصعوبات التي واجهتها والاصطلاحات والرموز التي استعملتها.
القسم الثاني: الكتاب المحقق.
وقد ذكرت في منهجي في التحقيق كيفية العمل فيه.
ولقد حرصت على أن أخرج الكتاب على الصورة التي تركه عليها المؤلف وبذلت في ذلك قصارى جهدي فإن وفقت لذلك وأصبت فمن عند الله وله المنة. وإن زل قلمي، أو نبا فهمي أو قصر عن إدراك المراد علمي فكل ذلك مني، وعذري أني قد استنفدت في البحث طاقتي، ولم أبخل في ذلك بجهد ولا وقت. واستغفر الله لذنبي. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

1 / 8

السنة أبلى في الذود عن حياض السنة وعقيدة السلف، والرد على المخالفين بلاءً حسنًا، هو شيخ السنة في عصره الإمام أبو نصر عبيد الله ابن سعيد الوايلي السجزي (٤٤٤هـ) .
ولقد وقفت على مصنف جليل من مصنفات هذا الإِمام في الرد على من أنكر الحرف والصوت في كلام الله ﷿، فألفيته سار فيه على منهج السلف وقرر ما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، في هذه المسألة تقريرًا أجاد فيه وأفاد رحمه الله تعالى.
فرأيت أن في تحقيقه وإخراجه خدمة للسنة وأهلها.
فعقدت العزم على ذلك واخترته ليكون أطروحتي لنيل درجة الماجستير، وقد شجعني على اختياره أفاضل من أساتذتي ومشايخي الكرام، ممن عرفوا بالحرص على عقيدة السلف والذب عن السنة، أجزل الله مثوبتهم. وإن من أهم الأسباب التي حفزتني لاختيار هذا الكتاب دون غيره، ما يأتي:
أولا: أن مسألة الحرف والصوت من المسائل الدقيقة التي زلت فيها أقدام طوائف من المسلمين فالحاجة ماسة لبيان القول الحق فيها.
ثانيا: أن هذا الكتاب يعد من أهم الكتب وأقدم المصنفات التي أفردت هذه المسألة بالتأليف، وقد فصل فيه المؤلف القول فيها، واستدل لمذهب السلف وانتصر له، ورد على المخالفين وبين بطلان ما تعلقوا به من شبهات ظنوها أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه.

1 / 11

ثالثا: أن في تحقيقه وإخراجه إحياءً لتراثنا الإِسلامي، وإبرازًا لجهود سلفنا الصالح، الذين أثروا المكتبة الإِسلامية بما صنفوا من كتب قيمة في شتى الفنون.
هذا وقد قسمت العمل في تحقيق الكتاب ودراسته إلى قسمين، الأول: في دراسة المؤلف والكتاب، والثاني: في تحقيق الكتاب. قدمت بين يدي ذلك: مدخلا. في نشأة الكلام في مسألة كلام الله ﷿ وفق الخطة التالية:
المدخل: ويشتمل على ثلاثة مباحث:
الأوّل: عرض تاريخي لظهور الكلام في هذه المسألة.
الثاني: افتراق الناس في المسألة وأهم وأشهر الأقوال التي انتهوا إليها فيها.
الثالث: في ذكر نماذج من المؤلفات التي ألفت فيها وعنيت ببيان منهج السلف.
القسم الأول: ويشتمل على بابين:
الباب الأوّل: في التعريف بالمؤلف. وفيه فصول ثلاثة:
الفصل الأوّل: في عصر المؤلف، ودرست فيه الحالة السياسية في عصره وأوضحت أنه عصر انحسار نفوذ الخلفاء ونشوء الدويلات داخل دولة الخلافة.
كما بينت الحالة الاجتماعية: وأنها سيئة جدًا غلب عليها تفشي الغلاء واضطراب نظام الأمن في البلاد.

1 / 12

ثم تعرضت للحالة العلمية: وبينت: أنها كانت مزدهرة في عصره، جنى فيها علماء العصر ما غرسه الأسلاف في ذلك.
وأخيرا: ختمت بالحالة الدينية، وكيف أنها كانت متأثرة بالحالة السياسية إلى حد كبير.
الفصل الثاني: في ترجمته: ذكرت فيها: اسمه، ونسبته، وكنيته ومولده، وموطنه ونشأته، ثم وفاته.
الفصل الثالث: في حياته العلمية وثقافته وتحدثت فيه عن بيئته العلمية، رحلته في طلب العلم، أشهر شيوخه، وأشهر تلاميذه، وثقافته، مؤلفاته وآثاره، مكانته العلمية وثناء الناس عليه، ومذهبه الفقهي، وعقيدته.
الباب الثاني: في التعريف بالكتاب، ووصف المخطوطة ومنهج التحقيق، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في التعريف بالكتاب وبينت فيه:
اسمه، وتوثيق نسبته للمؤلف، وموضوعه، وسبب التأليف، وتاريخه، ومكانه، ومنهج المؤلف وأسلوبه فيه، وموارده، ومصادره فيه، وأخيرًا قيمته العلمية، ثم نقده والمآخذ عليه.
الفصل الثاني: التعريف بالمخطوطة ووصفها. وبينت الأمور التالية: الاسم المثبت على غلافها، ناسخها، وتاريخ نسخها، وسندها، وعدد

1 / 13

تمهيد
تدور أبحاث هذا الكتاب حول مسألة من أهم المسائل في باب العقيدة، وهي مسألة كلام الله ﷿.
تلك المسألة التي شدَّت إليها أنظار العالم الإسلامي ردحا من الزمن لكثرة ما دار حولها من الجدل والخلاف الذي وصل إلى حد استعمال القوة والسلطان فحصل بذلك من الفتنة والمحنة ما هو معلوم ومدون في مظانه.
واستكمالا للفائدة أحببت أن أقدم بين يدي الكتاب ودراسته، مدخلا أبين فيه الأمور الآتية:
أولًا: عرضا تاريخيا لظهور الكلام في هذه المسألة.
ثانيًا: افتراق الناس فيها وأهم وأشهر الأقوال التي انتهوا إليها.
ثالثًا: ذكر نماذج من المؤلفات التي ألفت فيها وعنيت ببيان منهج السلف.

1 / 15

المبحث الأوّل: عرض تاريخي لظهور الكلام في هذه المسألة:
لم يؤثر عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الكلام في هذه المسألة ولم تعرف في زمنهم، بل كان الناس يؤمنون بجميع ما جاء في كتاب الله ﷿، بما في ذلك إخباره سبحانه عن نفسه بأنه ينادي ويتكلم ويبصر ويسمع إلى غير ذلك في دائرة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
ثم سار التابعون بعدهم على ذلك المنهج الراشد من الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله ﷿ أوفي سنة رسوله ﷺ.
فمتى حدث القول في هذه المسألة؟ ومن أول من أحدث ذلك؟.
أول من أظهر القول بإنكار كلام الله:
تشير المصادر التي بين أيدينا إلى أن: أول من عرف١ عنه إظهار القول بإنكار تكلم الله ﷿ هو (الجعد بن درهم ت ١٢٤هـ) وذلك في أواخر أيام دولة بني أمية، إذ كان الجعد مؤدبًا لمروان الجعدي أو مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية.
ولما أظهر مقالته طلبه بنو أمية فهرب إلى الكوفة ثم قتله بها خالد بن عبد الله القسري- عامل بني أمية فيها- في يوم عيد الأضحى حيث

١ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٣٨٢، والبداية والنهاية ٩/ ٣٥، وفتاوى ابن تيمية ٢ ١/ ٢٦، والوسائل في معرفة الأوائل للسيوطي ١٢١.

1 / 16

خطب الناس وقال في خطبته: "أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه في أصل المنبر" ١.
لكن قبل أن يقتل هذا الضال كان قد أوحى ببدعته إلى (الجهم بن صفوان الترمذي ت ١٢٨ هـ) ٢ حيث لقيه بالكوفة وأخذ عنه، ثم نُفِيَ إلى ترمذ وبقي إلى أن قتله بأصبهان وقيل بمرو سلم بن أحوز.
ثم تلقف هذه المقالة عن أتباع جهم، بشر المريسي (ت ٢١٨) ٣ الذي كان عين الجهمية وعالمهم في عصره٤.

١ انظر البداية والنهاية ٩/ ٣٥٠، وسرح العيون لابن نباته ٢٩٣، وميزان الاعتدال للذهبي ١/ ٣٩٩.
٢ جهم بن صفوان أبو محرز السمرقندي، الضال المبتدع، رأس الجهمية، قال الذهبي: هلك في زمان التابعين وما علمته روى شيئا، لكنه زرع شرًا عظيمًا. ميزان الاعتدال ١/٤٢٦ قتل سنة ١٢٨ ٠ انظر: البداية والنهاية ١٠/٢٧.
٣ وهو: بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي، كان من أصحاب الرأي، اشتغل بعلم الكلام وجرد القول بخلق القرآن، وحكي عنه أقوال شنيعة، ومذاهب مستنكرة كفره أهل العلم بسببها وإليه تنسب الطائفة المريسية، توفي سنة ٢١٨. انظر ترجمته لدى: الخطيب البغدادي تاريخ بغداد ٧/٥٦، وابن خلكان وفيات الأعيان ١/٢٧٧، وابن كثير البداية والنهاية ١٠ / ٢٨١، والذهبي ميزان الاعتدال: ١/ ٣٢٢.
٤ انظر: سير أعلام النبلاء١٠/ ٢٠٠.

1 / 17

ثم أخذ عن بشر أحمدُ بن أبي دؤاد١ الرجل الذي أغرى المأمون العباسي بالمحنة وإجبار الناس على القول بخلق القرآن فافتتن خلق كثير وثبت إمام السنة – أحمد بن حنبل ﵀ على الحق وصبر على الضرب والأذى.
الجذور التاريخية لهذه المسألة:
لقد عرفنا فيما سبق أن أول من تفوه بنفي كلام الله ﷿ من أهل القبلة- هو الجعد بن درهم، كما عرفنا خلفاءه الذين ورثوا عنه هذا القول وأضلوا به خلقًا وأناسي كثيرًا.
لكن هل بوسعنا أن نعرف من أين للجعد هذه المقالة الخبيثة؟.
بين أيدينا نص ذكره ابن عساكر وغيره مفاده: (أن الجعد بن درهم أخذ هذا القول عن بيان بن سمعان ٢، وبيان أخذه عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وطالوت أخذه عن خاله لبيد- ذلك اليهودي الذي سحر رسول الله والذي كان يقول بخلق التوراة ٣.

١ وهو: أحمد بن فرج بن حريز الإيادي الجهمي، كان داعية إلى خلق القرآن، توفي سنة ٢٤٠ هـ المصدر السابق ١١/١٦٩.
٢ هو بيان بن سمعان النهدي من بني تميم، ظهر بالعراق بعد المائة، وقال بإلهية علي، وأن فيه جزءًا إلهيًا متحدًا بناسوته، ثم من بعده في ابنه محمد بن الحنفية، ثم في أبي هاشم ولد ابن الحنفية، ثم من بعده في بيان هذا قال ابن نمير: قتله خالد بن عبد الله القسري وأحرقه بالنار. ميزان الاعتدال: ١/٣٥٧.
٣ راجع: البداية والنهاية٩/٣٥٠، والوسائل في معرفة الأوائل للسيوطي١٣١-١٣٢.

1 / 18

فاليهود إذًا وراء هذه الفتنة، وليس ذلك بغريب عليهم فما زالوا منذ أن بعث الله رسوله محمدًا ﷺ يكيدون للإسلام ولرسول الإسلام ليلًا ونهارًا سرًّا وجهارًا، فسحروا رسول الله ﷺ، وسَمُّوه، وحاولوا قتله بإلقاء الحجارة عليه، وبعد وفاته حاولوا تفريق المسلمين وفتنتهم، كما فعل ابن سبأ الخبيث. وذلك معروف مذكور في كتب التاريخ والعقائد.

1 / 19