Al-Risāla
الرسالة
Editor
أحمد محمد شاكر
Publisher
مصطفى البابي الحلبي وأولاده
Edition
الأولى
Publication Year
1357 AH
Publisher Location
مصر
Regions
•Palestine
Empires & Eras
Caliphs in Iraq, 132-656 / 749-1258
الرسالة
للإمام المطلبي محمد بن ادريس الشافعي
(١٥٠ هـ - ٢٠٤ هـ)
بتحقيق وشرح
أبي الاشبال أحمد محمد شاكر
عن أصل بخط الربيع بن سلمان، كتبه في حياة الشافعي
(لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لانني رأيت كلام رجل عاقل فصيح ناصح، فإني لاكثر الدعاء له) عبد الرحمن بن مهدي
المقدمة / 1
هذا السفر القيم يضم بين دفتيه:
١ - المقدمة
٢ - السماعات
٣ - اللوحات المصورة
٤ - كتاب الرسالة مشروحا محققا:
يحتوى على أربعة أجزاء
٥ - الاستدراك
٦ - المراجع
٧ - مفاتيح الكتاب
المقدمة / 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
هذا الكتاب (الرسالة) للشافعي.
وكفى الشافعي مدحا أنه الشافعي.
وكفى (الرسالة) تقريظا أنها تأليف الشافعي.
وكفاني فخرا أن أنشر بين الناس علم الشافعي.
[مع إعلامهم نهيه عن تقليده وتقليد غيره] (^١).
ولو جاز لعالم أن يقلد عالما كان أولى الناس عندي أن يقلد -: الشافعي.
فإني أعتقد - غير غال ولا مسرف - أن هذا الرجل لم يظهر مثله في علماء الاسلام، في فقه الكتاب والسنة، ونفوذ النظر فيهما ودقة الاستنباط. مع قوة العارضة، ونور البصيرة، والايداع في إقامة الحجة وإفحام مناظره. فصيح اللسان، ناصع البيان، في الذروة العليا من البلاغة. تأدب بأدب البادية، وأخذ العلوم والمعارف عن أهل الحضر، حتى سما عن كل عالم قبله وبعده. نبغ في الحجاز، وكان الى علمائه مرجع الرواية والسنة، وكانوا أساطين العلم في فقه القران، ولم يكن الكثير منهم أهل لسن وجدل، وكادوا يعجزون عن مناظرة أهل الرأي، فجاء هذا الشاب يناظر وينافح، ويعرف كيف يقوم بحجته، وكيف يلزم أهل الرأي وجوب اتباع السنة، وكيف يثبت لهم الحجة في خبر الواحد، وكيف
(^١) اقتباس من كلام المزني في أول مختصره بحاشية الام (ج ١ ص ٢).
المقدمة / 5
يفصل للناس طرق فهم الكتاب على ما عرف من بيان العرب وفصاحتهم، وكيف يدلهم على الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وعلى الجمع بين ما ظاهره التعارض فيهما أو في أحدهما. حتى سماه أهل مكة " ناصر الحديث ".
وتواترت أخباره إلى علماء الاسلام في عصره، فكانوا يفدون إلى مكة للحج، يناظرونه ويأخذون عنه في حياة شيوخه، حتى إن أحمد بن حنبل جلس معه مرة، فجاء أحد إخوانه يعتب عليه أن ترك مجلس ابن عيينة - شيخ الشافعي -. ويجلس إلى هذا الاعرابي! فقال له أحمد: " اسكت، إنك إن فاتك حديث بعلو وجدته بنزول، وإن فاتك عقل هذا أخاف أن لا تجده، ما رأيت أحدا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى ". وحتى يقول داود بن علي الظاهري الامام في كتاب مناقب الشافعي: " قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد بن حنبل الى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحا حسن الادب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أوتي فيه فهما، فلو كنت عرفته للزمته. قال داود: ورأيته يتأسف على ما فاته منه ". وحتى يقول أحمد بن حنبل: " لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث ". ويقول أيضا: " كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ".
ثم يدخل العراق، دار الخلافة وعاصمة الدولة (^١)، فيأخذ عن أهل الرأي علمهم ورأيهم، وينظر فيه، ويجادلهم ويحاجهم، ويزداد بذلك بصرا
(^١) دخل الشافعي بغداد ثلاث مرات، الاولى وهو شاب سنة ١٨٤ أو قبلها في خلافة هارون الرشيد، والثانية في سنة ١٩٥ ومكث سنتين، والثالثة سنة ١٩٨ فأقام بها أشهرا، ثم خرج إلى مصر.
المقدمة / 6
بالفقه ونصرا للسنة، حتى يقول أبو الوليد المكي الفقيه موسى بن أبي الجارود:
" كنا نتحدث نحن وأصحابنا من أهل مكة أن الشافعي أخذ كتب ابن جريح (^١) عن أربعة أنفس: عن مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، وهذان فقيهان، وعن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وكان أعلمهم بابن جريح، وعن عبد الله بن الحرث المخزومي، وكان من الاثبات، وانتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، رحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن جملا ليس فيها شئ إلا وقد سمعه عليه، فاجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك، حتى أصل الاصول، وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره، حتى صار منه ما صار ".
ثم دخل مصر في سنة ١٩٩ فأقام بها إلى أن مات، يعلم الناس السنة وفقه السنة والكتاب، ويناظر مخالفيه ويحاجهم، وأكثرهم من أتباع شيخه مالك بن أنس، وكانوا متعصبين لمذهبه، فبهرهم الشافعي بعلمه وهديه وعقله، رأوا رجلا لم تر الاعين مثله، فلزموا مجلسه، يفيدون منه علم الكتاب وعلم الحديث، ويأخذون عنه اللغة والانساب والشعر، ويفيدهم في بعض وقته في الطب، ثم يتعلمون منه أدب الجدل والمناظرة، ويؤلف الكتب بخطه، فيقرؤن عليه ما ينسخونه منها، أو يملي عليهم بعضها إملاء، فرجع أكثرهم عما كانوا يتعصبون له، وتعلموا منه الاجتهاد ونبذ التقليد، فملا الشافعي طباق الارض علما.
ومات ودفن بمصر، وقبره معروف مشهور إلى الان. وعاش ٥٤ سنة،
(^١) انتهت رياسة الفقه بمكة إلى ابن جريج.
المقدمة / 7
ولد سنة ١٥٠ بغزة، ومات ليلة الجمعة ودفن يوم الجمعة بعد العصر آخر يوم من رجب سنة ٢٠٤ (^١) (الجمعة ٢٩ رجب سنة ٢٠٤ يوافق ١٩ يناير سنة ٨٢٠ ميلادية، ٢٣ طوبة سنة ٥٣٦ قبطية).
وليس الشافعي ممن يترجم له في أوراق أو كراريس، وقد ألف العلماء الائمة في سيرته كتبا كثيرة وافية، وجد بعضها وفقد أكثرها. ولعلنا نوفق إلى أن نجمع ما تفرق من أخباره في الكتب والدواوين، في سيرة خاصة به، إن شاء الله.
وقد يفهم بعض الناس من كلامي عن الشافعي أني أقول عن تقليد أو عصبية، لما نشأ عليه أكثر أهل العلم من قرون كثيرة، من تفرقهم شيعا وأحزابا علمية، مبنية على العصبية المذهبية، مما أضر بالمسلمين وأخرهم عن سائر الامم، وكان السبب الاكبر في زوال حكم الاسلام عن بلاد المسلمين، حتى صاروا يحكمون بقوانين تخالف دين الاسلام، خنعوا لها واستكانوا، في حين كان كثير من علمائهم يأبون الحكم بغير المذهب الذي يتعصبون له ويتعصب له الحكام في البلاد. ومعاذ الله أن أرضى لنفسي خلة أنكرها على الناس، بل أبحث وأجد، وأتبع الدليل الصحيح حيثما وجد. وقد نشأت في طلب العلم وتفقهت على مذهب أبي حنيفة، ونلت شهادة العالمية من الازهر الشريف حنفيا، ووليت القضاء منذ عشرين سنة أحكم كما يحكم إخواني بما أذن لنا في الحكم به من مذهب الحنفية. ولكني بجوار هذا بدأت دراسة السنة النبوية أثناء طلب العلم، من نحو ثلاثين سنة، فسمت كثيرا وقرأت كثيرا، ودرست أخبار العلماء والائمة، ونظرت في أقوالهم وأدلتهم، لم أتعصب لواحد منهم، ولم أحد عن سنن الحق فيما بدا لي، فان أخطأت فكما يخطئ الرجل، وإن أصبت فكما يصيب الرجال. أحترم رأيي ورأي غيري، وأحترم ما أعتقده حقا قبل كل شئ وفوق كل شئ. فعن هذا قلت ما قلت واعتقدت ما أعتقد في الشافعي، ﵀ ورضى عنه.
(^١) ذكر المرحوم مختار باشا في التوفيقات الالهامية أن الشافعي مات في ٤ شعبان، وهو خطأ.
المقدمة / 8
كتاب الرسالة
ألف الشافعي كتبا كثيرة، بعضها كتبه بنفسه وقرأه على الناس أو قرؤه عليه، وبعضها أملاه إملاء، وإحصاء هذه الكتب عسير، وقد فقد كثير منها. فألف في مكة، وألف في بغداد، وألف في مصر. والذي في أيدي العلماء من كتبه الان ما ألفه في مصر، وهو كتاب (الام) الذي جمع فيه الربيع بعض كتب الشافعي، وسماه بهذا الاسم، بعد أن سمع منه هذه الكتب، وما فاته سماعه بين ذلك، وما وجده بخط الشافعي ولم يسمعه بينه أيضا، كما يعلم ذلك أهل العلم ممن يقرؤن كتاب (الام). و(كتاب اختلاف الحديث) وقد طبع بمطبعة بولاق بحاشية الجزء السابع من الام. و(كتاب الرسالة). وهما مما روى الربيع عن الشافعي منفصلين، ولم يدخلهما في كتاب (الام).
ولمناسبة الكلام عن كتب الشافعي وكتاب الام خاصة، يجدر بنا أن نقول كلمة فيما أثاره صديقنا الاديب الكبير الدكتور زكي مبارك حول كتاب (الام) منذ بضعة أعوام، فقد تعرض للجدل في هذا الكتاب، عن غير بينة ولا دراسة منه لكتب المتقدمين وطرق تأليفهم، ثم طرق رواية المتأخرين عنهم لما سمعوه، فأشبهت عليه بعض الكلمات في (الام) فظنها دليلا على أن الشافعي لم يؤلف هذه الكتب. واستند إلى كلمة رواها أبو طالب المكي في أخذه الربيع بعد موته فادعاه لنفسه. ثم جادل الدكتور زكي مبارك في هذا جدالا شديدا، وألف فيه كتابا صغيرا، أحسن ما فيه أنه مكتوب بقلم كاتب بليغ، والحجج على نقض كتابه متوافرة في كتب الشافعي نفسها. ولو صدقت هذه الرواية لارتفعت الثقة بكل كتب العلماء، بل لارتفعت الثقة بهؤلاء العلماء أنفسهم، وقد رووا لنا العلم والسنة، بأسانيدهم الصحيحة الموثوق بها، بعد أن نقد علماء الحديث سير الرواة وتراجمهم، ونفوا رواية كل من حامت حول صدقه أو عدله شبهة، والربيع المرادي من ثقات الرواة عند المحدثين، وهذه الرواية فيها تهمة له بالتلبيس والكذب، وهو أرفع قدرا وأوثق أمانة من أن نظن به أنه يختلس كتابا ألفه البويطي ثم ينسبه لنفسه، ثم يكذب على الشافعي في كل ما يروى أنه من تأليف الشافعي، بل لو صح عنه بعض هذا كان من أكذب الوضاعين وأجرئهم على الفرية!! وحاش لله أن يكون الربيع الا ثقة أمينا. وقد رد مثل هذه الرواية أبو الحسين الرازي الحافظ محمد بن عبد الله بن جعفر المتوفى سنة ٣٤٧، وهو والد الحافظ تمام الرازي، فقال: " هذا لا يقبل، بل
المقدمة / 9
البويطي كان يقول: الربيع أثبت في الشافعي مني، وقد سمع أبو زرعة الرازي كتب الشافعي كلها من الربيع قبل موت البويطي بأربع سنين ". انظر التهذيب للحافظ ابن حجر (٣: ٢٤٦).
وقد يظن بعض القارئين أني أقسو في الرد على الدكتور، ومعاذ الله أن أقصد إلى ذلك، وهو الاخ الصادق الود، ولكن ماذا أصنع؟ وهو يرمي أوثق رواة كتب الشافعي - الربيع المرادي - بالكذب على الشافعي، ثم ينتصر لرأيه، ويسرف في ذلك، ويخونه قلمه، حتى ينقل عن الام نقلا غير صحيح، ينتهي به إلى أن يرمي الشافعي نفسه بالكذب!! فيزعم في كتابه أن عبارة " أخبرنا " لا تدل على السماع في الرواية، وأن الاخبار معناه أحيانا النقل والرأي، ثم ينقل عن الام أن الشافعي قال في (ج ١ ص ١١٧) " أخبرنا هشيم " ويقول: " إن الشافعي لم يلق هشيما، فقد توفي هشيم ببغداد سنة ١٨٣ والشافعي إنما دخل إلى بغداد سنة ١٩٥ ". وأصل هذا الاستدراك للسراج البلقيني، وهو مذكور بحاشية الام، ولكن تعليقا، وذلك أن يروي الرجل عمن لم يلقه من الشيوخ شيئا فيذكر اسمه فقط على تقدير " قال "، أو يقول صريحا " قال فلان ". وليس بهذا بأس، بل هو أمر معروف مشهور، ولا مطعن على الراوي به. ولذلك بين البلقيني الامر، فان لكلامه بقية حذفها الدكتور، وهي: " فلكونه لم يسمع منه يقول بالتعليق: هشيم، يعني: قال هشيم ". ولكن الدكتور زكي مبارك فاته معنى هذا عند علماء المصطلح، فحذفه. ثم زاد فيما نقل عن الشافعي كلمة " أخبرنا " ليؤيد بها رأيه الذي اندفع في الاحتجاج له.
* فائدة: أخطأ السراج البلقيني في هذا الموضع، في إيهامه أن الشافعي لم يدخل بغداد إلا سنة ١٩٥ لانه ثبت أنه دخلها سنة ١٨٤ وسمع من محمد بن الحسن كثيرا من العلم. كما أخطأ أيضا في حاشية أخرى كتبها بعد هذا الموضع (الام ١: ١١٨) عند قول الشافعي " أخبرنا ابن مهدي " قال: " هكذا وقع في نسخة الام أن الشافعي يقول: أخبرنا ابن مهدي، والشافعي لم يجتمع بابن مهدي ". ووجه الخطأ أن الشافعي وابن مهدي تعاصرا، وكلاهما دخل بغداد، والغالب أن ابن المهدي كان يدخل الحجاز، والمعروف البديهي عند علماء الحديث أن الراوي العدل إذا قال " حدثنا " أو " أخبرنا " كان الحديث متصلا، وأنه إذا قال " عن فلان " لمن ثبت لقاؤه إياه ولو مرة واحدة حمل على الاتصال أيضا، لا يخالف أحد منهم في ذلك. (انظر الرسالة رقم ١٠٣٢) وإنما اختلفوا فيمن يقول " عن فلان " لشخص عاصره ولم يثبت أنه لقيه ولو مرة، فالبخاري لا يحمله على الاتصال، ومسلم وأكثر أهل العلم يجعلونه متصلا أيضا، وهو الراجح الصحيح. ولا يخالف أحد من العلماء في أن الرواي الذي يقول " حدثنا " أو " أخبرنا " لما لم يسمع فانما هو كذاب وضاع، فالشافعي الصادق الامين إذا قال " أخبرنا ابن مهدي " فقد أخبره، لا يجوز فيه غير هذا.
و(كتاب الرسالة) ألفه الشافعي مرتين. ولذلك يعده العلماء في فهرس مؤلفاته كتابين: الرسالة القديمة، والرسالة الجديدة. أما الرسالة القديمة فالراجح
المقدمة / 10
عندي أنه ألفها في مكة، إذ كتب إليه عبد الرحمن بن مهدي (^١) " وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القران. ويجمع قبول الاخبار فيه، وحجة الاجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القران والسنة. فوضع له كتاب الرسالة " (^٢) وقال علي بن المديني: " قلت لمحمد بن أدريس الشافعي أجب عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك يسألك، وهو متشوق إلى جوابك. قال:
فأجابه الشافعي، وهو كتاب الرسالة التي كتبت عنه بالعراق، وإنما هي رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدي " (^٣). وأرسل الكتاب إلى ابن مهدي مع الحرث بن سريج النقال الخوارزمي ثم البغدادي، وبسبب ذلك سمي " النقال " (^٤).
والظاهر عندي أن عبد الرحمن بن مهدي كان إذ ذلك في بغداد، دخلها سنة ١٨٠، ولكن الفخر الرازي يقول في كتاب مناقب الشافعي (ص ٥٧):
" اعلم أن الشافعي رضى الله عنه صنف كتاب الرسالة ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة، وفي كل واحد منهما علم كثير ". وأياما كان فقد ذهبت الرسالة القديمة، وليس في أيدي الناس الان إلا الرسالة الجديدة، وهي هذا الكتاب. وقد تبين لنا من استقراء كتب الشافعي الموجودة التي ألف بمصر أنه ألف هذه الكتب من حفظه، ولم تكن كتبه كلها معه. انظر إليه يقول في كتاب الرسالة (رقم ١١٨٤). " وغاب عني بعض كتبي، وتحققت بما يعرفه أهل العلم مما حفظت، فاختصرت خوف طول الكتاب، فأتيت
(^١) عبد الرحمن بن مهدي الحافظ الامام العلم، قال الشافعي: لا أعرف له نظيرا في الدنيا.
ولد سنة ١٣٥ ومات في جمادي الاخرة سنة ١٩٨.
(^٢) رواه الخطيب باسناده في تاريخ بغداد (٢: ٦٤ - ٦٥) وسيأتي في السماعات برقم (٥٢) ورواه أيضا البيهقي باسناده، نقله عنه ياقوت في معجم الادباء (٦: ٣٨٨ - ٣٨٩).
(^٣) رواه الحافظ ابن عبد البر باسناده في الانتقاء (ص ٧٢ - ٧٣).
(^٤) الانتقاء (ص ٧٢) والانساب (ورقة ٥٧٦) وطبقات الشافعية (١: ٢٤٩).
المقدمة / 11
ببعض ما فيه الكفاية، دون تقصي العلم في كل أمره ". ويقول في كتاب اختلاف الحديث (ص ٢٥٢): " وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة حطان الرقاشي، ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما فزال من كتابي حين حولته من الاصل أم لا؟ والاصل يوم كتبت هذا الكتاب غائب عني ".
والظاهر عندي أيضا أنه أعاد تأليف كتاب الرسالة بعد تأليف أكثر كتبه التي في (الام)، لانه يشير كثيرا في الرسالة إلى مواضع مما كتب هناك، فيقول مثلا (رقم ١١٧٣): " وقد فسرت هذا الحديث قبل هذا الموضع ". وهذه إشارة إلى ما في الام (٦: ٧٧).
والراجح أنه أملى (كتاب الرسالة) على الربيع إملاء، كما يدل على ذلك قوله في (٣٣٧): " فخفف فقال: علم أن سيكون منكم مرضى. قرأ إلى: فاقرؤا ما تيسر منه ". فالذي يقول " قرأ " هو الربيع، يسمع الاملاء ويكتب، فإذا بلغ إلى آية من القران كتب بعضها ثم يقول " الاية " أو " إلى كذا "، فيذكر ما سمع الانتهاء إليه منها، ولكن هنا صرح بأن الشافعي قرأ إلى قوله " فاقرؤا ما تيسر منه ".
والشافعي لم يسم " الرسالة " بهذا الاسم، إنما يسميها (الكتاب) أو يقول " كتابي " أو " كتابنا ". وانظر الرسالة (رقم ٩٦، ٤١٨، ٤٢٠، ٥٧٣، ٦٢٥، ٧٠٩، ٩٥٣) وكذلك يقول في كتاب (جماع العلم) مشيرا إلى الرسالة " وفيما وصفنا ههنا وفي (الكتاب) قبل هذا ". (الام ٧: ٢٥٣). ويظهر أنها سميت " الرسالة " في عصره، بسبب إرساله إياها لعبد الرحمن بن مهدي (^١).
(^١) وقد غلبت عليها هذه التسمية، ثم غلبت كلمة " رسالة " في عرف المتأخرين على كل كتاب صغير الحجم، مما كان يسميه المتقدمون " جزءا ". فهذا العرف الاخير غير جيد، لان " الرسالة " من " الارسال ".
المقدمة / 12