قالت: نعم.
قلت: هل من الضروري أن تكون المدرسة الروحية امرأة؟
قالت: لا، أحيانا تكون امرأة وأحيانا يكون رجلا، المهم القدرة على تدريس هذه المادة الصعبة؛ لأن الدراسة ليست نظرية فحسب ولكنها عملية أيضا؛ هناك تمرينات اليوجا بجميع أنواعها، وهناك القدرة على التركيز والتأمل لساعات طويلة، وهناك القدرة على الزهد والتغلب على رغبات الجسد، وهناك القدرة على صفاء الذهن والوصول إلى الدرجات العليا من الوعي.
جلست أستمع إليها طويلا، أتأمل كلامها وأتأمل ملامحها، ذكرتني بقراءتي «للجيتا» لكني كنت كلما نظرت في أعماق عينيها شعرت (بإحساس الطبيبة النفسية). إن في قاع هاتين العينين مأساة قديمة دفنت منذ سنوات وأصبحت ذكرى بل ضاعت أيضا من الذكرى. •••
من يتأمل معتقدات الناس في بلاد العالم المختلفة يدرك أنها متشابهة وتكاد تكون واحدة من حيث معناها ودوافعها وأهدافها. بعض الناس الذين يؤمنون بإله واحد يظنون أن الذين يؤمنون بعدد من الآلهة ليسوا بشرا مثلهم، أو أنهم بشر من نوع آخر، أو أنهم - على الأقل - جاهلون ومتخلفون، لكن الذي يزور الهند ويدخل معابدهم المختلفة ويتعرف على أديانهم المتعددة يدرك أن الفروق بين البشر قليلة جدا، وأنها فروق سطحية فحسب، أو فروق في الحركات الخارجية وطريقة العبادة أو طريقة الطقوس، ويبقى جوهر الإنسان واحدا.
في مدينة بومباي دخلت في يوم واحد خمسة معابد مختلفة لأديان مختلفة، دخلت معبدا «هندوكيا» ثم معبدا «جينيا» ثم معبدا «بوذيا» ثم كنيسة ثم مسجدا. وقد دهشت حين وجدت تشابها كبيرا بين الخمسة معابد في المعمار من الداخل والخارج من حيث وجود القبة أو القباب، وعمدان، ومكان مخصص للعبادة، ورجال داخل المعبد لهم زي معين، ولهم تحركات معينة، وطريقة معينة في التعامل مع الناس، أو تناول الهبات منهم. كما أن الناس الذين يزورون المعبد (يصلون للإله أو للآلهة) تبدو حركاتهم متشابهة بالرغم من أن بعضهم يصلي وهو واقف، وبعضهم يصلي وهو راكع على ركبتيه، والبعض يجثو منكفئا على وجهه. وجميعهم يدفعون شيئا للرجال القائمين على هذا المعبد أو الدين ، شيئا من مال أو طعام يعطى مباشرة لرجل الدين أو يعطى للفقراء الذين يحوطون المعبد في أكواخ الخيش أو يرقدون على الأرض من حوله أو فوق الدرجات المقدسة التي تصعد إليه والتي يجب أن نخلع أحذيتنا حين ندخله.
كنت قد قرأت شيئا عن تاريخ الأديان في حياة الإنسان، كيف بدأت ولماذا وكيف تطورت من دين إلى دين. لكن الذي يقرأ ليس كالذي يرى. وقد وجدت أن من ميزات الهند أنها تحتوي في جوفها حتى اليوم على تاريخ الأديان من مختلف الأزمنة منذ أن عبد الإنسان الشمس والأفلاك والنار والهواء والحيوانات إلى أن رمز إلى القوى المجهولة من حوله برموز مختلفة، منها آلهة على شكل تماثيل حجرية يراها ويلمسها، ومنها آلهة غير منظورة وغير مرئية، إلى أن رمز إلى كل تلك القوى بإله واحد غير منظور وغير مرئي.
كنت قد قرأت عن حاجة الإنسان في كل الأزمنة إلى شيء يؤمن به، شيء يفسر له الظواهر المجهولة من حوله، شيء يعزو إليه القدرة على فعل أشياء يعجز عنها الإنسان، لكن الذي يتأمل منظر الناس وهم يتعبدون داخل المعابد يدرك أن هذه الحاجة تتغير بتغير طبقة الإنسان الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، من أهم ما لفت نظري أن معظم الذين يذهبون إلى المعابد من الفقراء الذين لم ينالوا شيئا من التعليم. وقد لاحظت أن هؤلاء حين يصلون يغمضون أعينهم تماما وتتخذ ملامحهم وأجسادهم وضع الاستسلام الكامل ونوع من الرهبة والخوف والانكسار بل وشيء من المذلة أيضا، وحين يقدمون هباتهم لرجال الدين فهم يطلبون شيئا دائما؛ إما أن يشفي الإله مريضهم، أو يرفق بهم ويمنع عنهم كارثة معينة، أو يرزقهم بولد أو ينصر أحدهم على مكايد أعدائه.
وبعض هؤلاء يقضون الساعات في مثل هذه الصلوات. أما المتعلمون من الناس فهم أقلية قليلة داخل المعبد، وهم دائما على عجل، يصلون بسرعة وحركاتهم لا تنم على الانكسار والمذلة بقدر ما تنم عن الرغبة في إنهاء الصلاة بأسرع ما يمكن والذهاب إلى أعمال أخرى هامة، وهم لا يغمضون عيونهم تماما أثناء الصلاة، بل تظل عين الواحد منهم مفتوحة أو نصف مفتوحة، وهم لا يدفعون شيئا للفقراء حول المعبد، ولا يقدمون الهبات إلا ما كان منها واجبا دينيا مفروضا، وهم لا يطلبون من الإله علاج مريض؛ لأنهم عرفوا الأطباء والأدوية. لكنهم يطلبون من الإله مطالب أخرى مختلفة باختلاف مطالبهم في الحياة وباختلاف قدرتهم أو عجزهم عن تحقيق هذه المطالب.
وفي الهند قطاع من الناس لا يذهبون إلى المعابد، إنهم يصلون في منازلهم ويقولون إن الإله يوجد داخل المعبد وخارجه وليس له مكان محدد، وبعض الناس في الهند لا يصلون ويقولون إن العبادة هي الحياة، وإن الله هو الإنسان الذي يعمل لخير الناس والذي وصل إلى درجة عالية من الوعي والحكمة؛ لأنه أخضعها لإرادته القوية وكشف عن أسبابها بالعقل والمعرفة. وهذا الاتجاه الأخير ينتشر في الدين البوذي أكثر من الدين الهندوكي؛ لأن بوذا أعلن ثورته ضد الدين الهندوكي وضد الطبقات وضد التفرقة بين الناس. وفي الدين البوذي ليس هناك آلهة وبوذا ليس إلا إنسانا وصل إلى تلك الدرجة العليا من الوعي والمعرفة، لكني رأيت الناس داخل المعبد البوذي يركعون لتمثال بوذا وينبطحون أرضا أمامه داعين أن يحقق لهم مطلبا من المطالب كغيرهم في المعابد الأخرى، وسألت أحد المفكرين البوذيين عن ذلك فقال: إن هؤلاء الناس لم يقرءوا الدين البوذي وهم جاهلون بتعاليم بوذا، وهم يقلدون غيرهم من الناس بغير وعي.
Unknown page