Revelation of the Holy Quran and Its Care During the Time of the Prophet (PBUH)
نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم
Publisher
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة
Genres
مقدمة
...
نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد الرسول ﷺ
بحث مقدم لندوة (عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه) المدينة المنورة
إعداد:أ. د/ محمد بن عبد الرحمن الشايع
تقديم
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا. والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد.
فإن موضوعات علوم القرآن الكريم كثيرة انتدب العلماء والباحثون أنفسهم لدرسها والعناية بها فألفت فيها المؤلفات، وصنفت الموسوعات، وأفردت بعض الموضوعات بالدراسة والتأليف لأهميتها ومسيس حاجتها لمزيد بحث وعمق في الدرس. ومن هذه الموضوعات موضوع "نزول القرآن الكريم" وهو موضوع واسع الجنبات متنوع المسائل إذ يشمل:
١ - مسألة تنزلات القرآن الكريم.
٢ - ومسألة القول بتكرار بعض السور والآيات.
٣ - ومسألة نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف.
وإذا نظرنا إلى مكان وزمان النزول دخل فيه المكي والمدني، وإذا نظرنا إلى مناسبات النزول دخل فيه أسباب النزول. فشمل ذلك صفة نزول القرآن الكريم وعدد مراته ومكانه وزمانه وأسبابه.
وكل ذلك يحتاج إلى عمق في الدرس وسعة في الوقت، وفسحة في المجال وهو ما لا يسمح به وقت وتنظيم هذه الندوة المباركة: ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه. في طيبة الطيبة.
فرغبت عرض المسألة الأولى رجاء أن أوفق وأسدد في ذكر شيء مفيد في هذه المسألة وحتى لا تكون الكتابة تكرارًا لعموميات لا جديد فيها. فتناولت مدلول النزول لغة. وأنواعه في القرآن الكريم والفرق بين الإنزال والتنزيل ومذاهب العلماء في تنزلات القرآن الكريم ووقت النزول ويومه وشهره ومدته ومقداره كل ذلك بالأدلة والمناقشة والأمثلة والله الموفق للحق والمعين على الخير.
د. محمد بن عبد الرحمن الشايع
1 / 1
ملخص بحث: نزول القرآن الكريم
أشار البحث إلى معنى النزول لغة وأن مادة "نزل" وردت في القرآن الكريم مئتين وخمسًا وتسعين مرة في أربعة وأربعين تصريفًا وأن لفظ النزول في القرآن الكريم ورد على ثلاثة أنواع:
١- نزول مقيد بأنه من الله جل وعلا. وهذا لم يرد إلا خاصًا بالقرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (السجدة:٢) .
٢- نزول مقيد بأنه من السماء وهذا يشمل نزول الملائكة، ونزول العذاب ونزول المطر من السحاب. وغير ذلك كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (الرعد:١٧) .
٣- نزول مطلق عام لا يختص بنوع خاص كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحديد:٢٥) .
وبين البحث أن هناك من فرق بين نزّل وأنزل. فجعل التنزيل للتكثير، والإنزال للمرة الواحدة. كما عرض البحث لمذاهب العلماء في تنزلات القرآن الكريم وأدلتهم، وأن أشهرها وأرجحها أن للقرآن الكريم تنزلان نزول جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا وكان ذلك في ليلة القدر وهي الليلة المباركة من شهر رمضان. ونزول تنجيم على الرسول ﷺ في نحو ثلاث وعشرين سنة. والقول الثاني أن للقرآن نزولًا واحدًا هو النزول المباشر على الرسول ﷺ وأنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر وهي الليلة المباركة من شهر رمضان.
1 / 2
وذكر البحث أن أكثر نزول القرآن الكريم كان نهارًا حضرًا وقد نزل يسير منه في السفر وقليل منه في الليل وأما يوم نزوله فكان يوم الاثنين لحديث أبي قتادة الأنصاري وفيه وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: "ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت - أو أنزل عليَّ فيه".
وأما شهره فقيل إنه في شهر ربيع الأول قيل في أوله وقيل في ثامنه سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، وقد جعله ابن القيم قول الأكثرين. وقيل في الثاني عشر منه. والمشهور أنه في رمضان قال ابن كثير: والمشهور أنه بعث ﵊ في شهر رمضان كما نص على ذلك عبيد بن عمير ومحمد بن إسحاق وغيرهما. وكان نزوله مفرقًا: الآية والآيتان والخمس والعشر وأقل وأكثر كما نزل جزء آية، وسورة كاملة ونزلت سورتا المعوذتين معًا.
د. محمد بن عبد الرحمن الشايع.
1 / 3
النزول في اللغة:
جاءت مادة "نزل" في اللغة بتصريفات كثيرة: نزل، وأنزل، وتنزل، ونزّل.. وغير ذلك. كما جاءت هذه المادة بكثرة في القرآن الكريم بتصريفاتها المختلفة حيث بلغت أربعة وأربعين تصريفًا في (٢٩٥) آية. ١
والنزول في الأصل: انحطاط من علو إلى سفل.٢ فيقال نزل فلان من الجبل، ونزل عن الدابة، ويطلق على الحلول فيقال: نزل فلان في المدينة أي حل بها، والإنزال: الإحلال، قال تعالى: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (سورة المؤمنون: ٢٩) .
ويتعدى فعل "نَزَل" اللازم: بالحرف كقولك: نزلت به نازلة. وبالهمزة، كقولك: أنزل الله القرآن على محمد ﷺ، كقولك: نزّل الله القرآن على محمد ﷺ.٣
والمنزل: موضع النزول، والمنزلة مثله، وهي أيضًا المكانة؟٤
والنُّزُل: ما يعد للنازل من الزاد. ٥ قال تعالى: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ (الواقعة: ٩٢) .
_________
١ انظر معجم ألفاظ القرآن الكريم، وضع مجمع اللغة العربية، مادة نزل (٢/٥٠٩) . ومعجم الألفاظ والأعلام القرآنية، د. إسماعيل إبراهيم (٢٢٧) .
٢ مفردات الراغب الأصفهاني (٧٤٤) .
٣ انظر: المصباح المنير (٧٣٤)، وتاج العروس، مادة "نزل" (٨/١٣٢) - بتصرف -
٤ المرجع السابق.
٥ مفردات الراغب (٧٤٥) .
1 / 4
النزول في القرآن الكريم:
ورد لفظ "النزول" في القرآن الكريم، على ثلاثة أنواع:١
النوع الأول: نزول مقيد بأنه من الله جل وعلا.
النوع الثاني: نزول مقيد بأنه من السماء.
النوع الثالث: نزول مطلق غير مقيد بهذا أو بذاك.
فالنوع الأول وهو المقيد بأنه من عند الله تعالى اختص بالقرآن الكريم فلم يرد إلا معه في آيات كثيرة، كقوله تعالى:
١. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (النحل: ١٠٢) .
٢. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ .٢
٣. ﴿حم. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (سورة غافر: ١،٢)
٤. ﴿حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (فصلت: ١،٢) .
٥. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (السجدة: ٢) .
٦. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .٣
وهذا التنصيص بأنه من الله جل وعلا وتخصيص القرآن بذلك له دلائله: ففيه بيان أنه منزل من الله لا من مخلوق من مخلوقات الله. كما تقول بذلك بعض الطوائف. وفيه بيان بطلان القول بخلق القرآن. وبطلان القول بأنه فاض
_________
١ انظر: الفتاوى لابن تيمية (١٢/١١٨،٢٤٦)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/١٩٦) والتبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن للشيخ طاهر الجزائري (٦٤) .
٢ في ثلاثة مواضع: سورة الزمر/١، وسورة الجاثية/٢، وسورة الأحقاف/٢.
٣ في موضعين: سورة الواقعة/٨٠، وسورة الحاقة/٤٣.
1 / 5
على نفس النبي ﷺ من العقل الفعال أو غير ذلك من أقاويل أهل الكلام والفلسفة. ١
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مستدلًا بصريح الآيات السابقة: "فعلم أن القرآن العربي منزل من الله لا من الهواء، ولا من اللوح، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا من محمد ولا غيرهما".٢
واختيار مادة النزول وما تصرف منها للكلام عن مصدر القرآن الكريم فيه تشريف وتكريم لهذا الكتاب وبيان علو منزلته كما قال تعالى: ﴿حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الزخرف: ١-٤) فالنزول لا يكون إلا من علو.
وأما النوع الثاني، وهو النزول المقيد بأنه من السماء. فيتناول نزول المطر من السحاب، ونزول العذاب، ونزول الملائكة من عند الله. وغير ذلك.
فقد ورد في آيات كثيرة ذكر إنزال الماء من السماء. كقوله تعالى:
١. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ (البقرة: ٢٢)
٢. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (البقرة: ١٦٤)
٣. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٩٩)
٤. ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (الرعد: ١٧)
٥. ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (النحل: ٦٥) وغيرها كثير.
_________
١ انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٢/١٢٠) .
٢ المصدر السابق (١٢/١٢٦) .
1 / 6
والمراد بالسماء في هذه الآيات: السحاب أو مطلق العلو حيث فُسِّر في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (الواقعة: ٦٩) فالسماء اسم جنس لكل ما علا وارتفع.
وجاء في إنزال العذاب من السماء قوله تعالى:
١. ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (البقرة: ٥٩)
٢. ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ (العنكبوت: ٣٤)؟والرجز هو العذاب.
وقال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤)
وفسرت "الآية" هنا بما عظم من الأمور القاهرة، أو ما ظهر من الدلائل الواضحة.١
وقال تعالى في إنزال الملائكة من السماء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٥)
وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ (يس: ٢٨)؟ففسر الجند هنا بالملائكة.٢
وأما النوع الثالث، وهو الإنزال المطلق فهو عام لا يختص بنوع خاص من الإنزال. من ذلك قوله سبحانه:
١- ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد:٢٥) فقد فسر قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ بجعلنا، وأظهرنا وخلقنا.٣
_________
١ انظر: تفسير الماوردي (٤/١٦٥) .
٢ انظر تفسير الماوردي (٥/١٥) .
٣ انظر تفسير الماوردي (٥/٤٨٣) .
1 / 7
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "وجعل بعضهم نزول الحديد بمعنى الخلق لأنه أخرجه من المعادن وعلمهم صنعته. فإن الحديد إنما خلق من المعادن -ثم ربط هذا المعنى بأصل الإنزال لغة فقال: والمعادن إنما تكون في الجبال فالحديد ينزله الله من معادنه التي في الجبال لينتفع به بنو آدم"١
وقد تبين لابن تيمية رحمه الله تعالى من استقرائه للآيات أنه ليس في القرآن ولا في السنة لفظ نزول إلا وفيه معنى النزول المعروف وأن هذا هو اللائق بالقرآن الكريم لأنه نزل بلغة العرب.٢
وقوله سبحانه: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الفتح: ٢٦) .
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الفتح: ٤) .
وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (التوبة: ٢٦) .
وغيرها من الآيات، حيث لم يرد فيها تعيين المنزل منه. كما ورد في النوعين قبله، فهو إنزال مطلق يفسر بحسب السياق، أو بما ورد موضحًا له في مواضع أخرى.
_________
١ الفتاوى (١٢/٢٥٤)، وانظر (١٢/١١٨) .
٢ انظر: المصدر السابق.
1 / 8
الفرق بين الإنزال والتنزيل:
ذهب إلى القول بالفرق بين اللفظتين جمع من اللغويين والمفسرين فهو قول الواحدي، والزمخشري، والراغب الأصفهاني، والسمين الحلبي، وابن الزبير الغرناطي، وغيرهم.١
وذلك استدلالًا بالآيات التي فرقت بين اللفظتين حين ذكرت نزول الكتب السماوية وجمعت بينها، كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿آلم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (آل عمران: ١-٤) .
ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ (النساء: ١٣٦) .
يقول الواحدي عند تفسيره لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ إنما قال "نزّل" وقال: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ﴾ لأن التنزيل للتكثير، والقرآن نزل نجومًا، شيئًا بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلتا دفعة واحدة.٢
_________
١ كالقرطبي في تفسيره (٤/٥)، وابن الجوزي (١/٣٤٩)، وأبي السعود (٢/٤)، وبيان الحق النيسابوري في كتابه وضح البرهان في مشكلات القرآن (١/٢٣٣) .
٢ البسيط للواحدي، (١٥٢)، رسالة دكتوراه للباحث: أحمد محمد صالح الحمادي، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.
1 / 9
وقال الجرجاني في كتابه التعريفات مفرقًا بين اللفظتين: "الفرق بين الإنزال والتنزيل: الإنزال يستعمل في الدفعة، والتنزيل يستعمل في التدريج".١
وقال الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى من سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ﴾: "فإن قلت: لم قيل: نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل؟ قلت: لأن القرآن نزل منجمًا ونزل الكتابان جملة".٢
وقال الراغب الأصفهاني في مفرداته: "والفرق بين الإنزال والتنزيل في وصف القرآن والملائكة أن التنزيل يختص بالموضع الذي يشير إليه إنزاله مفرقًا ومرة بعد أخرى والإنزال عام". فمما ذكر فيه التنزيل قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦) وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (الحجر: ٩) .
وأما الإنزال فكقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر:١)؟وإنما خص لفظ الإنزال دون التنزيل لما روي أن القرآن نزل دفعة واحدة إلى سماء الدنيا ثم نزل نجمًا فنجمًا".٣
وقال ابن الزبير الغرناطي في معرض حديثه عن آية سورة آل عمران السابقة: "إن لفظ نزّل يقتضي التكرار لأجل التضعيف.. فقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ مشير إلى تفصيل المنزل وتنجيمه بحسب الدعاوى وأنه لم ينزل دفعة واحدة، أما لفظ أنزل فلا يعطي ذلك إعطاء نزّل وإن كان محتملًا.." ٤
_________
١ التعريفات للجرجاني (٧٣) .
٢ الكشاف (١/٤١١) .
٣ مفردات الراغب، مادة نزل (٧٤٤) - بتصرف - وبصائر ذوي التمييز للفيروزأبادي (٥/٤٠) .
٤ ملاك التأويل لأحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي (١/٢٨٦) تحقيق: د. سعيد الفلاح.
1 / 10
ومن هنا قيل: بأن بين اللفظتين فرقًا وأن التعبير القرآني عما نزل دفعة واحدة يأتي بلفظ "أنزل"، وما نزل مفرقًا منجمًا يأتي بلفظ "نزّل" فاختلاف التعبير دال على اختلاف صفة التنزيل ولذلك لما جمع الله بين القرآن والتوراة والإنجيل في آية سورة آل عمران جاء مع القرآن لفظ نزَّل، ومع التوراة والإنجيل لفظ أنزل للدلالة على ذلك المعنى.
وقد رد أبو حيان القول بالتفريق بين نزّل وأنزل المبني على أن التضعيف في نزّل دليل على التكثير والتنجيم؛ من وجوه:
١ - أن التضعيف في نَزَّل مفيد لنقل الفعل من اللازم إلى المتعدي وليس للتكثير.
٢ - أنه لو كان التضعيف في "نزّل" لإفادة التكثير والتنجيم لما جاء قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (الفرقان: ٣٢) جامعًا بين التضعيف وقوله: ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ وهما متنافيان في الدلالة.١
٣ - إن من أدلة عدم الفرق بين اللفظتين وأنهما بمعنى واحد؛ القراءة بالوجهين في كثير مما جاء كذلك. يقول أبو حيان: "ويدل على أنهما بمعنى واحد قراءة من قرأ ما كان من "ينزِّل" مشددًا؛ بالتخفيف - إلا ما استثني - فلو كان أحدهما يدل على التنجيم والآخر على النزول دفعة واحدة لتناقض الإخبار وهو محال".٢
_________
١ انظر: البحر المحيط (١/١٠٣) والتحرير والتنوير (٣/١٤٨) وفتح الرحمن بكشف ما يلبس من القرآن لزكريا الأنصاري (١٩٧) .
٢ البحر المحيط (٢/٣٧٨)، والدر المصون (٣/٢١) .
1 / 11
ويؤيد هذا قراءة قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ بالتشديد ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ والتخفيف ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ ١ كما أنه قد جاء مع القرآن أنزل، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ (النحل: ٤٤) يقول سيبويه: "فعّل وأفعل يتعاقبان".
٤ - مجيء "نزّل" المضعف في آيات كثيرة بحيث لا يراد منها إفادة التكثير والتنجيم إلا على تأويل متكلف وبعيد جدًا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (الأنعام: ٣٧) وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٥)؟فالمراد هنا مطلق الإنزال لا تكثير المنزل.٢
ومن أجل هذا ذهب بعضهم إلى جعل هذا التفريق غالبًا في استعمال القرآن لا قاعدة مطردة محاولة للجمع بين القولين.٣
_________
١ راجع توثيق القراءة. ص١٣، حاشية ٣) .
٢ انظر: البحر المحيط (٢/٣٧٨) والدر المصون (٣/٢١) .
٣ انظر: المدخل لدراسة القرآن للشيخ محمد محمد أبو (شهبة ٤٩) .
1 / 12
تنزلات القرآن الكريم:
القول الأول:
أن للقرآن الكريم تنزلان نزول جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر المباركة من شهر رمضان الكريم، ونزول منجم على الرسول في نحو ثلاث وعشرين سنة حسب الوقائع والأحداث من بعثته إلى وفاته ﵊. ١
القائلون به:
قاله ابن عباس وجماعة وقال عنه الزركشي في البرهان: ٢ إنه أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون ووصفه ابن حجر بأنه: الصحيح المعتمد٣ وقال ذلك عنه -أيضًا- القسطلاني في لطائف الإشارات. ٤ وذكر السيوطي أن القرطبي حكى الإجماع على أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا. ٥
وحكاية الإجماع في ذلك لا تصح لوجود المخالف في ذلك وتعدد المذاهب فيه.٦
_________
١ انظر: البرهان للزركشي (١/٢٢٨)، والاتقان للسيوطي (١/١٤٦-) .
٢ البرهان (١/٢٢٨) .
٣ فتح الباري (٩/٤) .
٤ لطائف الإشارات للقسطلاني (٢٢) .
٥ الإتقان (١/١٤٨)، ومناهل العرفان (١/٣٩)، تفسير القرطبي (٢/٢٩٧) .
٦ وقد حكى ابن حجر عن شيخه البلقين معنى غريبًا في نزول القرآن جملة لم يتابَع عليه وذلك عند بيان معنى قول جبريل ﵇ للنبي ﷺ في بدء الوحي: اقرأ. فقيل: "أي القدر الذي أقرأه إياه وهي الآيات الأولى من ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ويحتمل أن يكون جملة القرآن، وعلى هذا يكون القرآن نزل جملة واحدة باعتبار ونزل منجمًا باعتبار آخر. قال: وفي إحضاره له جملة واحدة إشارة إلى أن آخره يكمل باعتبار الجملة ثم تكمل باعتبار التفصيل)، فتح الباري ١٢/٣٥٧) .
1 / 13
أدلته:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر:١) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان: ٣) وقوله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥) .
فقد دل ظاهر هذه الآيات الثلاث أن القرآن الكريم أنزل جملة في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة من شهر رمضان. وهذا وصف مغاير لصفة نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ حيث إنه من المعلوم المقطوع به أن القرآن نزل على الرسول ﷺ منجمًا مفرقًا في نحو ثلاث وعشرين سنة حسب الوقائع والأحداث.
فتعين أن يكون هذا النزول الذي دل عليه ظاهر الآيات نزولًا آخر غير النزول المباشر على النبي ﷺ. جاءت الأخبار الصحيحة بتبيين مكانه وتوصيف نزوله وأنه جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وهذه الأخبار هي:
١- قال أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي: حدثنا يزيد (يعني ابن هارون) عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس: قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة. وقرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦)
_________
١ أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٦٨) وانظر طبعة المغرب بتحقيق أحمد الخياطي (٢/٢٠٢) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/٢٢٢) و(٢/٣٦٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٦٨) وشعب الإيمان (٢/٤١٥) رقم ٢٢٤٩، والنسائي في التفسير (٢/١٣١) رقم ٣٩٢ وقال المحقق صحيح. وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/١٧٨) و(٣٠/٢٥٨) . وانظر: فضائل القرآن للنسائي (٥٩)، وابن الضريس (٧٢) . والمرشد الوجيز (١٤-) وذكره ابن كثير في فضائل القرآن ٦) عن أبي عبيد ثم قال: هذا إسناد صحيح.
1 / 14
قال أبو عبيد: ولا أدري كيف قرأ يزيد في حديثه "فرقناه" مشددة أم لا؟ إلا أنه لا ينبغي أن تكون على هذا التفسير إلا بالتشديد "فرَّقناه".١
٢ - عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: أنزل القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئًا أوحاه أو أن يحدث منه شيئًا أحدثه.٢
٣ - عن منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان: ٣٢)
_________
١ قراءة الجمهور بالتخفيف، وقرأ بالتشديد أبي، وعبد الله بن مسعود وعلي وابن عباس، وأبو رجاء وغيرهم. انظر تفسير ابن جرير (١٥/١٧٨)، والبحر المحيط (٦/٨٧) . ومعجم القراءات القرآنية (٣/٣٤٢) .
٢ أخرجه النسائي في فضائل القرآن (٥٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٦٨) . والحاكم في المستدرك (٢/٢٢٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وأخرجه ابن الضريس بنحوه في فضائل القرآن (٧١-) .
٣ أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٦٧) وفي شعب الإيمان (٣/٣٢٠) رقم (٣٦٥٩)، والحاكم في المستدرك (٢/٢٢٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. وابن الضريس في فضائل القرآن ٧٢) . وذكره أبو شامة في المرشد الوجيز (١٧) وذكر السيوطي – نحوه - في الدر المنثور وزاد نسبته لابن جرير وابن مردويه ومحمد بن نصر والطبراني وأخرجه النسائي في تفسيره (٢/٥٣٩) رقم (٧٠٩) وقال المحقق: صحيح.
1 / 15
٤ - عن حسان بن حريث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ﵇ ينزله على النبي ﷺ ويرتله ترتيلًا.١
٥ - وعن سعيد بن جبير قال: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان فجعل في بيت العزة.٢
٦ - وعن سعيد بن جبير قال: نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على النبي ﷺ في عشرين سنة جواب كلام الناس.٣
٧ - عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: أنزل الله القرآن جملة في ليلة القدر كله.٤
_________
١ أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٦٨)، والطبراني في الكبير (١٢/٢٦) رقم ١٢٣٨١، والحاكم في المستدرك (٢/٢٢٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه النسائي في فضائل القرآن (٥٩-٦٠) وزاد في آخره: قال سفيان: خمس آيات، ونحوها. وانظر المرشد الوجيز لأبي شامة (٢٠) . وذكره السيوطي في الدر المنثور بنحوه (١/٤٥٧) وزاد نسبته للفريابي وابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء المقدسي في المختارة. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٥٧) وقال: رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف.
٢ أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٧٢) .
٣ أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٧٢) . وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/٤٥٧) ولم ينسبه لغير ابن الضريس.
٤ أخرجه عبد بن حميد كما ذكر السيوطي في الدر المنثور (٨/٥٦٧) .
1 / 16
٨ - وعن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة، في ليلة واحدة، في ليلة القدر إلى السماء الدنيا حتى رفع في بيت العزة.١
٩ - عن مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: سأله عطيه بن الأسود فقال: إنه وقع في قلبي الشك في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥) وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١) وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان:٣) وقد أنزل في شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، وشهر ربيع الأول؟ فقال ابن عباس ﵄: إنه أنزل في رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة؛ جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلًا٢ في الشهور والأيام.٣
١٠ - وعن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا جملة ثم أنزل نجومًا.٤
_________
١ أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٧٣)، وذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه للطبراني والبزار.
٢ رسلًا: قطعة قطعة وفرقة فرقة. انظر: حاشية تفسير الطبري (٣/٤٤٦) .
٣ أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٦٩-) وأخرجه الطبري في تفسيره بسنده (٣/٤٤٨) ولم يسم فيه السائل. وأخرجه الطبراني في الكبير (١١/٣٠٩) رقم (١٢٠٩٥) والهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٣١٦) وقال عنه: وفيه سعد بن طريف وهو متروك.
وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/٤٥٦) وزاد نسبته لابن أبي حاتم، وابن مردويه، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة.
٤ أخرجه الطبراني في الكبير (١١/٢٤٧) رقم (١١٨٣٩) والهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٤٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.
1 / 17
١١- وعن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزله جبريل على محمد ﷺ بجواب كلام العباد وأعمالهم.١
١٢- عن حكيم بن جبير الأسدي عن سعيد بن جبير قال: نزل القرآن جملة من السماء العليا إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزل مفصلًا.٢
١٣ - وعن إبراهيم النخعي في قوله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال: أنزل جملة على جبريل ﵇، وكان جبريل يجيء بعد إلى محمد ﷺ.٣
ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث والآثار التي أخرجها الأئمة وصححوا بعضها، والتي يعضد بعضها بعضًا أنها وإن كانت موقوفة في جملتها على ابن عباس ﵄ فإن لها حكم الرفع إلى النبي ﷺ لأن قول الصحابي الذي لا يأخذ عن الإسرائيليات، فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وابن عباس لن يقول ما قال من هذا التفصيل والتحديد بمحض رأيه ومن عند نفسه فهو إذًا محمول على سماعه من النبي ﷺ أو ممن سمعه منه من الصحابة والصحابة كلهم عدول.
_________
١ أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/٢٦) رقم (١٢٣٨٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٤٠) وقال عنه: رواه الطبراني والبزار باختصار ورجال البزار رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني عمرو بن عبد الغفار وهو ضعيف. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٥٦٧) وزاد نسبته لابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.
٢ أخرجه سعيد بن منصور في سننه بسنده (٢/٢٩٤) رقم (٧٩) وفيه حكيم بن جبير ضعيف. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/٣٩٩) ولم ينسبه لغير سعيد بن منصور.
٣ أخرجه سعيد بن منصور في سننه بسنده (٢/٢٩٢) رقم (٧٨) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/٣٩٩) ولم ينسبه لغير سعيد بن منصور.
1 / 18
القول الثاني:
أن للقرآن نزولًا واحدًا هو النزول المنجم على النبي ﷺ وأنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر وهي الليلة المباركة من شهر رمضان.١
القائلون به:
قاله الشعبي٢ ومحمد بن إسحاق٣ والنسفي.٤
وقد عدّ السخاوي في جمال القراء٥ الشعبي من القائلين بالقول الأول مع ابن عباس وابن جبير. ويؤيد هذا ما أخرجه الطبري في تفسيره عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.٦
وهذا خلاف لما هو مشهور عن الشعبي في هذا، وما أخرجه الطبري عن الشعبي هنا معارض بما رواه عنه - أيضًا - في تفسيره من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي. أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: نزل أول القرآن في ليلة القدر.٧
_________
١ انظر البرهان للزركشي (١/٢٢٨-) والإتقان للسيوطي (١/١٣٨) والمرشد الوجيز (٢٠) وتفسير القرطبي (٢٠/١٣٠) .
٢ انظر البرهان للزركشي (٢٢٩)، والإتقان للسيوطي (٠١/١٤٨) والمرشد الوجيز (٢٠) وتفسير الماوردي (٦/٣١٢) بتحقيق السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم والثعالبي (٤/٤٣٠) .
٣ نسبه له الفخر الرازي في تفسيره (٥/٨٥) .
٤ انظر تفسيره (١/٩٤) حيث قال: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أي ابتدئ فيه إنزاله وكان في ليلة القدر وأشار إلى الإنزال جملة بصيغة التضعيف في تفسير سورة القدر (٤/٣٧٠) فقال: روي أنه أنزل جملة) .
٥ ينظر جمال القراء للسخاوي (١/٢٠) .
٦ تفسير الطبري (٢/١٤٥) ٣/٤٤٧) (٣٠/٢٥٨) .
٧ تفسير الطبري (٣٠/٢٥٨) .
1 / 19
وقد ذكر أبو شامة عن الشعبي رواية عدها قولًا رابعًا في معنى قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فعن داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أما نزل عليه القرآن في سائر السنة إلا في شهر رمضان؟! قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض محمدًا ﵉ بما ينزل عليه في سائر السنة في شهر رمضان.١
فالشعبي هنا نزّل عرضه وإحكامه في رمضان من كل سنة منزلة إنزاله فيه. وهو قول لا يعارض رأيه المشهور بأن المراد ابتداء نزول القرآن. ولذا قال أبو شامة "وإن ضم إلى ذلك كونه ابتداء نزوله في شهر رمضان ظهرت قوته"٢ -أي قوة القول ووجه ذكر شهر رمضان ظرفًا لإنزال القرآن - قال ابن حجر: (والمعتمد أن جبريل كان يعارض النبي ﷺ في رمضان بما ينزل به عليه في طوال السنة. كذا جزم به الشعبي فيما أخرجه عنه أبو عبيد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح".٣
أدلته:٤
١- الواقع الفعلي لنزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه نزل منجمًا مفرقًا حسب الحوادث والوقائع على نحو من ثلاث وعشرين سنة.
٢- قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦)؟فصريح القرآن، وواقع نزوله يدل على تنجيمه وتفريقه.
_________
١ المرشد الوجيز (٢١) .
٢ المصدر السابق (٢٤) .
٣ فتح الباري (٩/٥) .
٤ راجع مناقشة هذه الأدلة في مبحث الترجيح (ص٣٨) .
1 / 20