1078

Al-Rawḍ al-ʾAnuf fī sharḥ al-sīra al-nabawiyya

الروض الأنف في شرح السيرة النبوية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٢ هـ

Publisher Location

بيروت

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَالْمَاءِ الْجَارِي فِي عُرُوقِ الشّجَرَةِ صُعُدًا، حَتّى تَحْيَا بِهِ عَادَةً، فَنُسَمّيهِ مَاءً بِاعْتِبَارِ أَوّلِيّتِهِ، وَنُسَمّي أَيْضًا هَذَا رُوحًا بِاعْتِبَارِ أَوّلِيّتِهِ، وَاعْتِبَارِ النّفْخَةِ الّتِي هِيَ رِيحٌ، فَمَا دَامَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمّهِ حَيّا، فَهُوَ ذُو رُوحٍ، فإذا نشأوا كتب ذلك الروح أخلافا وَأَوْصَافًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى مَصَالِحِ الْجِسْمِ كَلَفًا بِهِ، وَعَشِقَ مَصَالِحَ الْجَسَدِ وَلَذّاتِهِ، وَدَفَعَ الْمَضَارّ عَنْهُ سُمّيَ: نَفْسًا، كَمَا يَكْتَسِبُ الْمَاءُ الصّاعِدُ فِي الشّجَرَةِ مِنْ الشّجَرَةِ أَوْصَافًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ، فَالْمَاءُ فِي الْعِنَبَةِ مَثَلًا هُوَ: مَاءٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَالْبَدْأَةِ، فَفِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُيُوعَةُ وَالرّطُوبَةُ، وَفِيهِ مِنْ الْعِنَبَةِ الْحَلَاوَةُ، وَأَوْصَافٌ أُخَرَ، فَتُسَمّيهِ مِصْطَارًا «١» إنْ شِئْت، أَوْ خَمْرًا إنْ شِئْت، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا أَوْجَبَهُ الِاكْتِسَابُ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، فَمَنْ قَالَ: إنّ النّفْسَ هِيَ الرّوحُ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، فَلَمْ يُحْسِنْ الْعِبَارَةَ، وَإِنّمَا فِيهَا مِنْ الرّوحِ الْأَوْصَافُ الّتِي تَقْتَضِيهَا نَفْخَةُ الْمَلَكِ، وَالْمَلَكُ مَوْصُوفٌ بِكُلّ خُلُقٍ كَرِيمٍ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَمِنْ الرّوحِ عَفَافُهُ وَحِلْمُهُ وَوَفَاؤُهُ وَفَهْمُهُ، وَمِنْ النّفْسِ شَهْوَتُهُ وَغَضَبُهُ وَطَيْشُهُ، وَذَلِكَ أَنّ الرّوحَ كَمَا قَدّمْنَا مَازِجُ الْجَسَدِ الّذِي فِيهِ الدّمُ، وَيُسَمّى الدّمُ:
نَفْسًا، وَهُوَ مَجْرَى الشّيْطَانِ، وَقَدْ حَكَمَتْ الشّرِيعَةُ بِنَجَاسَةِ الدّمِ لِسِرّ لَعَلّهُ أَنْ يُفْهَمَ مِمّا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ، فَمَنْ يَعْرِفُ جَوْهَرَ الْكَلَامِ، وَيُنْزِلُ الْأَلْفَاظَ مَنَازِلَهَا، لَا يُسَمّي رُوحًا إلّا مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمَادِ وَالْحَيّ، وَاَلّذِي كَانَ سَبَبًا لِلْحَيَاةِ، كَمَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ عِنْدَ ذِكْرِ إحْيَاءِ النّطْفَةِ، وَنَفْخِ الرّوحِ فِيهَا، وَلَا يُقَالُ:
نَفْخُ النّفْسِ فِيهَا إلّا عِنْدَ الِاتّسَاعِ فِي الْكَلَامِ، وَتَسْمِيَةُ الشىء بما يؤول إليه،

(١) مصطار بضم الميم: الخمر، ومسطار بكسر الميم وبالسين: الخمرة الصارعة لشاربها أو الحامضة أو الحديثة.

3 / 189