Rasail
رسائل الجاحظ: وهي رسائل منتقاة من كتب للجاحظ لم تنشر قبل الآن
Genres
أنه قال: «من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية.» وحتى بلغ من احتقار الحجاج له واسترذاله حاله أن أخرج رجله من الفراش وقال: أصفق بيدك عليها؟! فذلك تمييزه بين الميزان والعود، وهذا اختياره في الأئمة؟! وحال علي عليه السلام في ذكائه وفطنته وتوقد حسه وصدق حدسه معلومة مشهورة، فإذا جاز أن يصح إسلام ابن عمر ويقال عنه إنه عرف تلك الأمور التي سردها الجاحظ ونسقها وأظهر فصاحته وتشادقه فيها، فعلي بمعرفة ذلك أحق وبصحة إسلامه أولى. وإن قال: لم يكن ابن عمر يعلم ويعرف ذلك، أبطل إسلامه وطعن في رسول الله
صلى الله عليه وسلم
حيث حكم بصحة إسلامه وأجازه يوم الخندق؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان قال: لا أجيز إلا البالغ العاقل؛ ولذلك لم يجزه يوم أحد.
ثم يقال له: إن ما تقوله في بلوغ علي عليه السلام الحد الذي يحسن فيه التكليف العقلي، بل يجب، وهو ابن عشر سنين، ليس بأعجب من مجيء الولد لستة أشهر، وقد صحح ذلك أهل العلم واستنبطوه من الكتاب وإن كان خارجا عن التعارف والتجارب والعادة! وكذلك مجيء الولد لسنتين خارج أيضا عن التعارف والعادة، وقد صححه الفقهاء والناس. ويروى أن معاذا لما نهى عمر عن رجم الحامل تركها حتى ولدت غلاما قد نبتت ثنيتاه، فقال أبوه: ابني ورب الكعبة. فثبت ذلك سنة يعمل بها الفقهاء. وقد وجدنا العادة تقضي بأن الجارية تحيض لاثنتي عشرة سنة وأنه أقل سن تحيض فيه المرأة، وقد يكون في الأقل نساء يحضن لعشر ولتسع ، وقد ذكر ذلك الفقهاء، وقد قال الشافعي في اللعان: لو جاءت امرأة بحمل وزوجها صبي له دون عشر سنين، لم يكن ولدا له؛ لأن من لم يبلغ عشر سنين من الصبيان لا يولد له، وإن كان له عشر سنين جاز أن يكون الولد له، وكان بينهما لعان إذا لم يقر به. وقال الفقهاء أيضا: إن نساء تهامة يحضن لتسع سنين لشدة الحر ببلادهن.
قال أبو جعفر:
إن مثل الجاحظ - في فضله وعلمه - لا يخفى عليه كذب هذه الدعوى وفسادها، ولكنه يقول ما يقول تعصبا وعنادا. وقد روى الناس كافة افتخار علي عليه السلام بالسبق إلى الإسلام، وأن النبي
صلى الله عليه وسلم
استنبئ يوم الاثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء، وأنه كان يقول: صليت قبل الناس سبع سنين، وأنه ما زال يقول: أنا أول من أسلم، ويفتخر بذلك ويفتخر له به أولياؤه ومادحوه وشيعته في عصره وبعد وفاته، والأمر في ذلك أشهر من كل شهير، وقد قدمنا منه طرفا. وما علمنا أحدا من الناس - فيما خلا - استخف بإسلام علي عليه السلام ولا تهاون به ولا زعم أنه أسلم إسلام حدث غرير وطفل صغير. ومن العجب أن يكون مثل العباس وحمزة ينتظران أبا طالب وفعله ليصدرا عن رأيه ثم يخالفه علي ابنه لغير رغبة ولا رهبة، يؤثر القلة على الكثرة، والذل على العزة، من غير علم ولا معرفة بالعاقبة! وكيف ينكر الجاحظ والعثمانية أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
دعاه إلى الإسلام وكلفه التصديق؟! وروي في الخبر الصحيح أنه كلفه في مبدأ الدعوة قبل ظهور كلمة الإسلام وانتشارها بمكة أن يصنع له طعاما وأن يدعو له بني عبد المطلب، فصنع له الطعام ودعاهم له، فخرجوا ذلك اليوم ولم ينذرهم
Unknown page