Al-Rasāʾil al-fiqhiyya

الرسائل الفقهية

Editor

مؤسسة العلامة الوحيد البهبهاني

Publisher

مؤسسة العلامة الوحيد البهبهاني

Edition

الأولى

Publication Year

1419 AH

Publisher Location

قم

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله رب العالمين، حمدا يرضي ربنا منا، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، صلاة ترضيهم عنا، وكل من ظلمنا.

قال في " المفاتيح ": (وأن لا قول للميتين، وإن لم يأتوا بشئ مبين) (1).

أقول - وأنا الأذل الأقل محمد باقر بن محمد أكمل -:

معنى عدم القول للمجتهد الميت، أن قوله ليس بحجة، وقد ثبت في علم أصول الدين أنه لا حجة إلا قول الله تعالى وحججه المعصومين (عليهم السلام)، ولذا اشترطنا العصمة في الحجج، وما جوزنا حجية قول من لا يؤمن من الخطأ، وكون ذلك شعارا في مذهبنا أظهر من الشمس، وأشهر من أن يخفى على مخالفينا في المذهب، فضلا عن الموافق.

وأدلتنا من العقل، والنقل (2) على ذلك متراكمة متظافرة، ومن غاية

Page 5

الظهور وافقنا جماعة من العامة، سيما الأشاعرة (1).

ومن قديم الأيام إلى حديثه امتلأت الطوامير، وتوافرت الأساطير من التشاجر بيننا وبين من خالفنا، حتى أن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) شغلهم وديدنهم كان المخاصمة مع خصمهم في ذلك، في حضور الأئمة (عليهم السلام) وغيبتهم (2) في الأعصار والأمصار، بل الأئمة (عليهم السلام) بأنفسهم كانوا يباحثون مع خصمهم (3)، ويلقنون الشيعة هذه المخاصمة، ويعجبهم مخاصمتهم في ذلك (4)، بل ربما يظهر أن ذلك عمدة السبب في الاحتياج إلى الحجة في كل زمان.

هذا كله مضافا إلى ما ورد في الكتاب والسنة متواترا من النهي عن العمل بغير العلم (5)، والعمل بالظن (6) والتقليد (7)، ولا شك أن قول المجتهد داخل في الكل، مع أن الأصل عدم حجية غير العلم، سيما في الأحكام الشرعية، لما فيها من الخطر العظيم، والضرر الجسيم، ولذا شددوا الأمر فيها غاية التشديد، وأكدوا نهاية التأكيد، كما لا يخفى على المطلع.

مع أن هذا الأصل مسلم عند الأخباريين والمجتهدين، حتى عند العامة أيضا (8)، ولذا في أصول الفقه في كل موضع يتمسكون بظن يطالبون بدليل

Page 6

حجيته، ولذا لا يرضون بثبوت حجية الإجماع من الظواهر من الكتاب والسنة، قائلين بأن الظواهر ليست بحجة ظاهرا إلا بدليل، ولا دليل سوى الإجماع، فيلزم الدور .. إلى غير ذلك مما لا يخفى على الماهر في أصول الفقه.

وأيضا، الحكم الشرعي ليس إلا ما صدر من الشرع، وحكم المجتهد صادر عن المجتهد، وهو ليس بشرع. نعم، في ظنه أنه من الشرع والظن لا يغني من الحق شيئا (1)، مع أن أحكامهم في الغالب متغايرة، بل متضادة، فلا يكون المجموع مظنونا.

وأيضا، حكم الشرع ليس إلا منه (2)، وظن المجتهد ليس إلا من المجتهد، مع كونه ظنا.

فكون أحدهما عين الآخر فاسد جزما، وكونه بحسب مكان الآخر شرعا ويكفي عوضا له يتوقف على الدليل.

وأيضا، لولا الدليل على كون ظن المجتهد حجة للعامي لكان مثل الظن الحاصل من الرمل والأسطرلاب وقول الفاسق الجاهل وقول النساء، ألا ترى أن النساء ربما يحصل لهن ظن من قول النساء أقوى من الحاصل من قول المجتهد؟! وكذا الرستاقي (3) من قول الرستاقي.. وهكذا.

وأيضا، كما قال الميت: إن الحكم كذا، قال: إن الميت لا قول له، فإن كان قوله حجة فقوله ليس بحجة، بل هو وسائر المجتهدين اتفقوا في ذلك، حتى أنهم

Page 7

ادعوا إجماع الشيعة على ذلك (1) [وأنه] من ضروريات مذهب الشيعة (2)، مثل حرمة العمل بالقياس، بل وربما صار ذلك من خصائص الشيعة، لأن جمهور العامة على خلاف ذلك (3)، من جهة قولهم بحلية القياس وقياسهم بين الميت والحي.

وعلى أي حال، إذا حصل الظن من قول ميت في نفس الحكم، حصل من قوله في عدم حجية قوله جزما، بل بطريق أولى بمراتب شتى، لو لم نقل بحصول اليقين له.

ولو فرض أن شاذا من المتأخرين منا وافق العامة، إذ لو لم يصر منشأ لزيادة اطمئنانهم بقول المعظم لم يصر منشأ للوهن (4) أصلا، وعلى فرض الوهن فالظن لا أقل منه، وعلى فرض ارتفاع الظن أيضا - مع أنه في غاية البعد - فالشك لا أقل منه، فمع الشك والتردد كيف يقلد بغير منشأ وحجة؟! وكيف يرجح قول الشاذ البعيد العهد المطابق للعامة على قول معظم القرباء العهد من صاحب الشرع (5)؟!

هذا كله إذا كان الشاذ حيا.

Page 8

وأما إذا كان ميتا، فنزيد على جميع ما ذكرنا، أن الاستناد إلى قوله مع كونه ميتا يتضمن دورا محالا واضحا.

فإن قلت: ما ذكره المصنف لعله بالنسبة إلى العامي الجاهل الغافل الغير المطلع بأقوال العلماء.

قلت: اشتهر من العلماء ما ذكرناه اشتهار الشمس، فاطلاع العامي على فتوى المجتهد الميت مع عدم اطلاعه على ما ذكرنا مما لا يكاد يتحقق.

سلمنا، لكن هذا ظن خطأ، من جهة عدم اطلاعه بحقيقة الحال، فلو كان مثل هذا حجة للعامي لكان الظن الحاصل له بخلاف فتوى الفقهاء - بل بضدها ونقيضها - من جهة جهله وغفلته وخطئه يكون حجة له، يجب عليه العمل به (1).

وبعد تجويز هذا وفتح هذا الباب، لا وجه لذكر المجتهد، ولا لاعتبار قوله حيا كان أو ميتا، بل يكون المدار على أي ظن وخيال حصل للعامي من أي جهة من الجهات، وإن كان من محض هوى النفس، أو تقليد المخالف أو الكافر، أو الرمل والأسطرلاب، أو غير ذلك، وفيه ما فيه.

وأيضا، الظن للمجتهد إنما هو ما دام [في] الحياة، وإلا فبعد الموت لا ظن، والظن في وقت لا يكفي لحين زواله (2)، ولذا لو ظن سابقا وانعدم ظنه في وقت لاحق، ويحصل له التردد والتوقف لا يجوز له العمل بظنه السابق، ولا لمقلده بعد اطلاعه على توقفه. نعم، قبل الاطلاع يكفي، لما سيجئ.

والحاصل، أن الحجة إنما هو حكم الشارع لا حكم المجتهد، وحكم المجتهد لو كان حجة ومحسوبا مكان حكم الشارع، إنما يكون لظنه أن حكمه حكم

Page 9

الشارع، فإذا انعدم الظن مع وجوده، أو انعدم هو، فلا يبقى ظنه قطعا، لأن بانعدامه انقطع العلاقة بينه وبين حكم الشارع، فبأي سبب يكون حجة ومحسوبا مكانه؟!

مع أن هذا استصحاب ضعيف.

فعلى القول بحجية الاستصحاب ربما لا يقولون بحجية مثله، مع أن الاستصحاب حجة إذا لم ينعدم موضع الحكم، وهنا انعدم، كما هو الحال في الاستحالة والانقلاب، وانعدامه من جهة أن الظن في الدماغ، والظنون صورة حاصلة فيه بالبديهة وبالوجدان، وهو متفق عليه.

وليس المراد مطابق المظنون، لأنه محتمل ليس إلا، بل رجحانه - أي الراجح - مع أن الأصل عدم تحقق ظن غير ما ذكر، وهو أقوى من ذلك الاستصحاب.

مع أنه على تقدير أن يكون للنفس ظن، فهو غير هذا الظن، وهذا انعدم يقينا، وكونه غيره يجئ مقامه خلاف الأصل أيضا، مع أن نفس الناطقة بعد الموت يحصل له اليقين أو لا يحصل، لا أنه يحصل له الظن، لأنه خلاف المعقول والمنقول.

بل عرفت مما تقدم أن قول غير المعصوم (عليه السلام) ليس بحجة أصلا، ولا شك أن المجتهد ليس بمعصوم، فلا يكون قوله حجة جزما، ولذا قال الأخباريون بعدم حجية قول غير المعصوم (عليه السلام) (1)، وفقهاء حلب أوجبوا الاجتهاد (2).

وأما المجتهدون، فهم وإن قالوا بحجية قول غير المعصوم (عليه السلام) في الجملة،

Page 10

لكن عنوا كون القائل مستجمعا لشرائط الاجتهاد ويكون حيا.

فقوله حجة على العامي، ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد فقط، لا على مجتهد آخر، ولا يقولون بحجية غير ما ذكر، بل يحرمونه ويدخلونه تحت المناهي وما ليس بحجة ولو لم يدلهم دليل على حجية القدر الذي قالوا بحجيته لكانوا يحرمون ذلك أيضا، ويجعلونه مثل ظن العامي، ويدخلونه تحت الأصل والعمومات والأدلة الدالة على عدم حجية قول غير المعصوم وحرمة العمل به.

بل في الحقيقة قول المجتهد ليس عندهم حجة أصلا، بل الحجة الأدلة الدالة على حجية القدر المذكور.

مثلا: شهادة العدلين، لو لم يدل دليل من الشارع على اعتبارها فيما جعلها الشارع معتبرة فيه لكان حالها وحال الظنون المحرمة - مثل الظن الحاصل من الرمل والنجوم أو قول الفاسق - سواء، بل ربما يحصل من الأمور المزبورة ظن أقوى.

فصار المعلوم أن الحجة هو حكم الشارع ودليله، فإن الحكم الشرعي هو حكمه باعتبارها لا ما شهدوا به.

وإذا ظهر لك ذلك، نقول: العامي لا بد له أن يعتقد رضا الشرع بتقليد المجتهد، وجعل ظنه محسوبا مكان شرعه الذي هو الحق اليقيني، وبديهي أن ذلك لا يحصل له من نفس تقليد المجتهد، لما فيه من الدور المحال الواضح، فمستنده ليس إلا ما حصل له بالتظافر والتسامع المتعين بأن غير الفقيه عليه أن يرجع إلى الفقيه في حكم الشرع، كما هو الشأن في جميع العلوم والصناعات التي يتوقف عليها نظم المعاد والمعاش أن غير أهل الخبرة يرجع إلى أهل الخبرة فيها بلا شبهة، وأن مدار المسلمين في الأعصار والأمصار كان على ذلك بالبديهة.

Page 11

وبالجملة، حصل له من التظافر والتسامع في التقليد ما حصل له في ضروريات الدين والمذهب التي ليس فيها تقليد واجتهاد بل المجتهد والمقلد فيها على حد سواء.

وحصول البداهة للعامي في جواز تقليد الميت بعد ما اشتهر ما نسب إلى الشيعة اشتهار الشمس، كما ترى (1).

إذا عرفت ما ذكرنا، لم يخف عليك أن اللازم على المصنف كان المطالبة بدليل حجية قول المجتهد الحي أيضا أو الإتيان به، لا المطالبة بدليل عدم حجية قول الميت الذي هو غير المعصوم، مع أن الأصل عدم حجية [قول] كل أحد، لا حجية قول كل أحد، حتى أنه يطالب بما يطالب منه.

فإن قلت: لعل مراده أن ما دل على حجية قول المجتهد يشمل حيه وميته، فلم أخرجوا قول الميت، مع أنه ليس لهم مخصص مبين؟!

قلت: مع كون ما ذكرت خلاف ظاهر قوله! سلمنا، لكن نقول: كيف يمكن للعامي الاحتجاج بعموم ما دل على جواز التقليد على تقدير تسليم العموم؟، وسيما أن يستدل به على بطلان ما نسب إلى الشيعة وظهر منهم، ويطمئن به، ويقلد شرعا، فإن الآية والأخبار الدالة على ذلك معركة الآراء بين الفقهاء، ولذا أنكر جواز التقليد جماعة منهم، والمقرون اتفقوا على عدم الجواز بالنسبة إلى الميت، مع أن حجية خبر الواحد وظاهر الآية معركة للآراء، ومع ذلك المراد ماذا، أيضا معركة، ومع ذلك ورد في الآيات والأخبار حرمة التقليد وذمه مطلقا (2).

Page 12

نقول: أي عموم دل على ذلك؟!

أما الآية (1) والأخبار (2).

فالقدر الذي يفهم منها ويتبادر هو الحي. وأما أزيد، فلا وثوق في دلالتها عليه، لأن المتبادر منها أن ما أفتى به الفقيه واعتقد أنه حكم شرعي يجوز أخذه منه ما دام هو مفت به ومعتقد، بل يجب أخذه منه، ومع ذلك المتبادر منها أن جواز الأخذ ووجوبه إنما هو على من عرف أنه فقيه وحكمه من الشرع، لا من لم يعرف ذلك ولم يعتقد أنه حاكم الشرع، فلذا لم يكن فتواه حجة على من لم يعرف ذلك ولم يعتقد، وكذا الظاهر أن فتواه حجة على من لم يعرف ذلك الحكم من الشرع، فلذا لم يكن حجة على فقيه آخر.

فحيث عرف أن المتبادر منها هو القضية العرفية، كما هو مسلم عند جميع العلماء في كل ما ماثله من القضايا، ولذا لو أظهر الفقيه - بعد ما أفتى به - أن ظنه واعتقاده زال وحصل له التوقف لم يكن ظنه السابق - الذي زال - حجة عليه، فلا يكون حجة على من قلده، بعد ما اطلع على ما قال من أن اعتقاده زال، مع أن من هذا القول لا يحصل - غالبا - أزيد من الظن، فما ظنك بصورة حصول اليقين بأن ظنه زال، كما عرفت؟! فكيف يكون ظنه السابق داخلا في الآية والأخبار؟!

هذا، مضافا إلى أن المتبادر من لفظ الفقيه والحاكم وأمثالهما هو الحي، ولذا تمسك أهل السنة بالقياس، ورده الشيعة بأنه قياس مع الفارق وبسطوا الكلام في ذلك، فتوهم غير المطلع أن ما بسطوه إنما هو دليلهم ومستندهم وبه حكموا

Page 13

بالحرمة، كما يشير إليه كلام المصنف (1).

وأما الإجماع، فقد نقل الإجماع على منع حجية قول الميت (2)، وهذا هو الظاهر من فتاوى المعظم، ونسب ذلك إلى الشيعة، وعد من ضروريات دينهم، كحرمة القياس، نسبه إلى الشيعة من هو في أعلى درجة الاطلاع (3)، فلو لم يثبت الإجماع على المنع فكيف تثبت الحجية؟!

نعم، المشهور عند العامة حجية قول الميت أيضا (4)، قياسا على الحي.

بجامع مظنونية الإصابة، وهذا - مع كونه قياسا - قياس مع الفارق، لما أشرنا إليه من أن الميت لا ظن له.

وربما اعترض بأن المجتهد الغائب يجوز أن يكون رأيه تغير، فكذا الميت، ولا يخفى أن هذا الاعتراض في غاية السخافة، لأن المراد بالاعتراض إن كان قياس الميت بالغائب..

فأولا: إن القياس عندنا حرام، وقد عرفت أن قول المجتهد من حيث إنه قوله ليس بحجة، حتى يجوز أن يجعل جامعا، بل الحجة هو ما دل على اعتباره، فعلى أي قدر تتم الدلالة نقول به، وأما الزائد عنه فلا، لعدم الدليل، والغائب داخل في الدليل دون الميت.

بل لو أعتبر مجرد احتمال تجدد الرأي مانعا، لم يكد يتحقق قول معتبر للمجتهد، إلا ما شذ، وحمل الأدلة والألفاظ على الفروض النادرة كما ترى.

Page 14