وقد يكون دليل النكسات أدل على وجهة التاريخ هذه من دليل الخطوات المطردة في طريق التضامن والوحدة، فإننا لا نزعم أننا نعلم كيف كانت هذه النكسات جزءا من عوامل السعي إلى الوجهة المتتابعة، ولكننا نكتفي بأن ننظر إلى كل نكسة من هذه النكسات على حدة ثم ننظر إلى حالة العالم الإنساني قبلها وبعدها، فنرى على التحقيق أن العالم الإنساني كان بعد كل نكسة منها أقرب صلة، وأدنى إلى التضامن مما كان قبلها بسنوات.
كانت حروب الشرق والغرب على عهد الدولتين الفارسية والرومانية أبعد شيء أن تكون تمهيدا للتقارب بين أنحاء العالم وأبنائه، وكذلك كانت غارات التتار وغارات الصليبيين وغارات المستعمرين كانت نكبات ونكسات، وحاربها من ابتلي بشرورها كما تحارب النكبات والنكسات، ولكننا ننظر إلى العالم بعد كل نكسة، أو نكبة منها، فنرى أنه تقارب ولم يتباعد، وأنه تهيأ بعدها لنكسة جديدة أكبر منها ليخرج منها كذلك أقرب صلة وأدنى إلى وجهة الوحدة العامة والتضامن الوثيق.
وكانت الصين في عزلتها العريقة، فلما سطا عليها الاستعمار خرجت من عزلتها واجتمعت كلمتها بعد فرقتها، وكان من عجيب شأنها أنها أخرجت أمة أخرى من عزلتها المختارة - وهي أمة الولايات المتحدة - لتقضي في مسألة الشرق الأقصى بسياسة الباب المفتوح لجميع دول العالم، بدلا من استبداد كل دولة بحصة من الحصص تستأثر بها، وتذود الآخرين عنها.
وكانت الهند أمما لا يجمعها اسم ولا تربط بينها عصبة، فلما ابتليت بالاستعمار أصبحت أمة واحدة؛ لأنها وجدت نفسها أمام عدو واحد، وخرجت من غاشية الاستعمار دولتان عالميتان لهما في سياسة الشرق والغرب وزن لا يسقط حسابه من ميزان.
وقد كان عدد الأمم التي استقلت وأخذت مكانها في السياسة العالمية أكثر عددا وأكبر شأنا بعد كل من الحربين العالميتين مما كان قبلها، وكانت مهمة الهيئات الدولية المشتركة بعد الحرب الثانية أهم وأعم من جميع الهيئات التي سبقتها. (ب) الإنسان الفرد
ووجهة التاريخ بالنسبة إلى الإنسان الفرد أوضح - فيما نرى - من وجهة النوع كله، كما تبينت من الانتقال المتتابع من تضامن القبيلة المنعزلة إلى تضامن العالم الذي تمتنع فيه العزلة على من يريدها.
فلا شك أن التاريخ يتنقل بالإنسان الفرد من حالة مبهمة مهملة إلى حالة الشخصية المستقلة بحقوقها وتبعاتها، المتميزة بكيانها وحرمتها.
فمن فرد لا تتميز حياته من حياة أبناء القبيلة إلى «شخصية» محدودة المعالم تحاسب بعملها ولا تؤخذ بجريرة غيرها.
وكان الفرد من أفراد القبيلة يقتل بذنب كل فرد من أفرادها، وبقيت هذه الحياة الضائعة في حياة المجموع إلى ما بعد عصر القبيلة البدائية بأجيال طوال أدركت عهد الشرائع المكتوبة في دول الحضارة والسنن الاجتماعية، فكانت شريعة حمورابي تقضي على الأب الذي قتل بنت رجل آخر أن يسلم بنته إلى ذلك الرجل ليقتلها قصاصا لبنته، وتحسبها - من ثم - شيئا مضافا إلى أسرتها أو إلى أبيها لا تستقل بحياة خاصة لها أو بحقوق واجبة لحياتها، وجاءت شرائع الرومان بعد ذلك على هذه الوتيرة في حقوق الأتباع والفروع، ثم تقدمت مع تقدم الزمن حتى أصبح كل فرع من فروع الأسرة أصلا قائما على جذوره مستقلا بكيانه، أهلا للحق وأهلا للتبعة في عمله.
وليس للتفاضل بين الإنسان والإنسان مقياس واحد أصدق من المقياس الذي نستمده من وجهة التاريخ بالنسبة للإنسان الفرد كما كان وكما يكون مع تعاقب الأطوار وتتابع الأجيال، وأوجز ما يقال في المقياس الذي نستمده من وجهة التاريخ أنه المقياس الذي ينبئ عن تكامل الشخصية الإنسانية في حقوقها وتبعاتها.
Unknown page