الناس طيلة عهدهما على السنة، لم يعرفوا البدع، ولم تعرف البدع إليهم طريقًا، وكان أمر الدين فيهم ظاهرًا وقويًا، والسنة عزيزة مشهورة. وكذلك عهد عثمان ﵁ فإنه وإن بدأت بوادر البدع تظهر في آخره، إلا أنه لم يعرف في الناس بدعة ظاهرة، بل كانت السنة هي السائدة، والخير هو المنتشر، وأهل الإسلام في عز واجتماع، وأهل الشر في ذل وصغار، وأما عهد علي ﵁ فقد كثرت فيه الفتن، وظهرت فيه البدع، حيث خرج الخوارج، وفشى التشيع، وافترقت الأمة، وسفكت فيه الدماء المسلمة المؤمنة، فضعف بذلك أهل الخير، وقوي أهل الشر وتسلطوا على الناس، حتى إن عليًا
﵁ كان يقول في قتلة عثمان: (القوم يملكوننا ولا نملكهم) (١) وهذا أمر يعلمه كل من له أدنى اطلاع على التأريخ ولا ينكره أحد من المسلمين، لا من أهل السنة، ولا من أهل البدع، لكن مع التجرد والإنصاف.
وأما عند غلبة الهوى، وتمكن الجهل، فتختلف المقاييس، وتنعكس المفاهيم، وتتغير الحقائق، كما هو حال هذا الرجل، فإنه يتخبط في الأمر تخبطًا عجيبًا، فنراه أحيانًا يقرر أن عليًا ﵁ عندما تولى أمر الأمة قد طبق السنة، ونبذ البدع، يقول في كتابه الشيعة هم أهل السنة: «أضف إلى ذلك أن الإمام عليًا عندما تولى الخلافة بادر بإرجاع الناس إلى السنة النبوية، وأول شيء فعله هو توزيع بيت المال» . (٢)
ويقول مؤكدًا هذا في موضع آخر من الكتاب نفسه: «ومع ذلك فإن أمير المؤمنين عليًا لم يجبر الناس على البيعة بالقوة والإكراه، كما فعل الخلفاء من قبله، ولكن تقيد -سلام الله عليه- بأحكام
القرآن والسنة، ولم يغير ولم يبدل أبدًا....
إلى قوله: هنيئًا لك يا ابن أبي طالب، يامن أحييت القرآن والسنة، بعدما أماتها غيرك» . (٣)
(١) تقد تخريجه ص ٢٤١.
(٢) الشيعة هم أهل السنة ص١٨٩.
(٣) الشيعة هم أهل السنة ص١٩٨.