89

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

: كان معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه ، لما ابتنى قصره بباب الشماسية ، والإصطبلات المتصلة بآخره من أحد جرانبه ، التي لم يسبق إلى حسنها ، وعمل الميدان على دجلة متصلا بين القصر والبستان الشارع على دجلة ، الذي يلازق دار صاعد بن مخلد ، الذي كان منزلا لأبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد ثم صيره أبو جعفر الصيمري بستانا ، والجميع الآن داخل في جملة قصر معز الدولة . أول ما بدأ بأن السور المحيط بالقصر والميدان ، والمسناة العظيمة التي من حد رقة الشماسية إلى بعض الميدان ، وطول ما بناه منها ألف وخمسمائة ذراع ، وعرضها نيف وسبعون آجرة كبارا ، سوى الدستاهيجات التي تخرج منها إلى داخلها لضبطها . وكان العمل في ذلك متصلا ، والصناع فيه متفرقين . وهذا بعد أن كان عمل على بناء مدينة لنفسه ، وخرج إلى كلواذى ليتخذها هناك ، ثم أراد اتخاذها حيال كلواذى ، ثم رحل إلى قطربل ، فأراد أن يبنيها عندها ، ثم تقرر رأيه على بناء دار بباب الشماسية ، حصينة ، يستغني بها عن المدينة ، وتخف عليه نفقتها . وقدر لذلك ألوف ألوف الدراهم ، وزادت النفقة على التقدير أضعافا . وكان يطالب وزيره أبا محمد المهلبي بتوجيه وجوه الأموال لذلك ، مع قصور الدخل عن الخرج ، فيلقى منه عنتا . ثم كلفه تولي البناء بنفسه وكتابة ، فكان ، وهم ، يتولون ذلك . فسعى بعض أصحاب معز الدولة إليه ، أنهم بسنفون البناء في السور ، ليتعجل بنفقة خفيفة ، ويسرقون الباقي . وأوقفه على موضع منه ، كان فيه ساف لبن لم يحكمه الصناع ، ومشى عليه بحضرة معز الدولة - لأنه ركب إليه - فانقلعت منه لبنة . فحمي طبعه ، وكان حديدا جدا ، سليم الباطن مع ذلك ، وإذا أخرج حدته ، وانقضت سورة غضبه ، يندم على فعله ، ولكن من يقوم على تلك الحدة . فأحضر المهلبي ، وواقفه على ما رآه ، فأخذ يحتج عليه . فحمي ، وأمر به ، فبطح ، وضرب مقارع كثيرة . ثم قال : اختفوه ، فجعل في عنقه حبل ، وأمسكه ركابيون فوق السور ، ليشيلوه ، فيخنق . وبلغ خبره القواد ، والأتراك ، وخواصه ، فبادروا إلى تقبيل الأرض بين يديه ، ومسألته الصفح عنه ، فأنزله ، وأطلقه . فمضى إلى داره كالميت ، وأظهر قلة حفل بذلك ، لئلا يشمت أعداؤه ، ويطمعوا في صرفه ، ويتقولون عليه بانكسار إن بان منه ، ولئلا يبلغ صاحبه أنه مستوحش من ذلك ، فيستوحش منه . وكانت عادته أن يشرب في تلك الليلة النبيذ ، ويدعو الغناء ، فجمع الندماء ، ليري قلة الإكتراث بما جرى عليه . وعاد إلى داره وقد قرب المساء ، فدعا بما يأكله ، فأكل ، وندماؤه معه ، وليس فيه فضل لشدة الألم ، وهو يتجلد ، ويتحدث . ثم دعا بنبيذ ، فقالوا له : أيها الوزير ، لو استرحت ، وطرحت نفسك ، كان أولى من النبيذ ، فليس هذا وقته ، وذنبوا له في هذا . فأخذ هو يعزيهم عما جرى عليه ، ويسلبهم ، وتمثل في كلامه بهذا البيت : فإن أمير المؤمنين وفعله . . . لكالدهر لا عار بما صنع الدهر . ثم شرب أقداحا ، وقام . أخبرني ، من حدثه به ، من ندماء أبي محمد ، عن مشاهدة .

Page 94