Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
Editor
مصطفى حسين عبد الهادي
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1424هـ-2004م
Publisher Location
بيروت / لبنان
قال أبو الحسين : فحدثني أبو الحسن بن أبي عمر هذا ، قال : حدثنا أبو عبد الله حمد بن محمد القنائي ، ابن أخت الحسن بن مخلد ، قال : حدثني أبو محمد خالي ، قال : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن العباس الصولي ، يقول : حدثت عن المأمون ، عن الرشيد ، أنه سمع المهدي يقول : بعد زوال أمر أبي عبيد الله عن الوزارة ، واقتصاره على ديوان الرسائل ، وعلى الجلوس في منزله ، وتفويض الأمر إلى يعقوب بن داود : ما رأيت أحزم ، ولا أفهم ، ولا أكفأ ، ولا أعف ، من أبي عبيد الله ، ولقد كنت أحبه ، مع إجرائي إياه مجرى الوالد ، وكنت أجتهد به أن يدعوني إلى داره ، فيمتنع ، ويزعم أنه لا تتسع همته ، ولا نعمته ، لذلك . إلى أن اعتل علة عظيمة ، فتمادت الأيام به ، ولم أعده ، إلى أن كتب إلي باستقلاله ، وأنه قد عمل على الركوب إلي ، بعد يوم أو يومين ، فسابقته ، وركبت إليه في خف من غلماني وخاصتي . فلما دخلت إليه ، قلت له : قد كنت أجتهد بك أن تدعوني ' 52 ' ، فتأبى ، والآن ، قد جئتك جامعا للعيادة ، والتهنئة بالعافية ، والدعوة . فقال : والله ، يا أمير المؤمنين ، ما لي طعام ، ولا غلمان ، ولا زي يصلح لدعوتك . فقلت : قد فرغت لك من ذلك ، وتقدمت إلى غلماني ، بحمل الآلات ، والطعام ، والأشربة ، وجميع ما يحتاج إليه ، وإنما أردت تشريفك ، والأنس بك . قال : وجاء الغلمان ، بآلات ، وفرش لي ، وجلست ، وهو معي ، فأكلنا ، وجعل يتحفني من منزله ، بالفاخر من الفرش ، والآنية ، والآلات هدية لي ، كما يفعل الناس ، فأخذت كلما يحمله من أحسن شيء ، وأجمله ، وأرشقه ، فازداد ابتهاجا به . ثم دعوت بالشراب ، فلما شربت ثلاثة فقط ، عملت على الانصراف . فلما أحس بذلك ، قال لي : أريد أن أبكي ، وأنا أتطير أن أبكي بعد انصراف أمير المؤمنين ، وأنا استأذنه في البكاء بحضرته . قال : وتحدرت دموعه عقيب الكلام ، فبكى بكاء شديدا . فقلت له : يا هذا ، أنا أعلم أن فيك شحا ، تسميه حسن التدبير ، وما يحسن منك أن تبكي ، فإن كان ندما على ما أهديته ، فهو مردود بلا شك . قال : فحلف بأيمان عظيمة ، وانزعج انزعاجا شديدا ، أنه ما بكى لذلك . وقال : كيف أبكي على ما سبيلي أسر به ، حيث جعلتني أهلا لقبوله ؟ قال : فقلت : فلم تبكي ؟ قال : لم تبق مرتبة تنال ، إلا وقد نلتها ، وبلغتها ، بفضل أمير المؤمنين ، وتطوله ، حتى انتهت بي الحال ، إلى أن وصلت ، من مال أمير المؤمنين ، بأمره ، وعن أمره ، في ليلة واحدة ، وهي ليلة ورد الخبر بوفاة أمير المؤمنين المنصور صلوات الله عليه ، وأخذت بيعة ثانية لأمير المؤمنين على الناس ، بعشرة آلاف ألف درهم ، وفي هذه العلة ، تصدقت بجميع ما في خزانتي من المال ، وكان أربعة آلاف ألف ، بعد أن استأذنت أمير المؤمنين ، فأذن لي ، ولم يكن بقي ، إلا أن يعودني أمير المؤمنين في علة ، أو يهنئني بحال متجددة ، أو يصير إلى دعوتي ، فلما كان اليوم ، جمع أمير المؤمنين لي ذلك ، فعلمت أني قد بلغت النهاية ، وأنه ليس بعدها إلا الانحطاط ، فبكيت لذلك ' 53 ' . قال : فرققت له ، وعلمت فضله ، وقلت له : أما في أيامي ، فأنت آمن ذلك ، وإن أصابك شيء بعدي ، فالحياة - على كل حال - خبر من الموت ، ولك بي أسوة . واعتقدت أن لا أنكبه . فلما رأى الربيع عظم منزلته ، حسده ، فجد في السعاية إلي به ، والفساد بيننا ، والحيلة عليه عندي ، إلى أن جرى في أمر ابنه ، وإقراره بالزندقة ، ما بم يسع معه ، أن لا يقتل ، فقتلته ، وخفت أن يكون قد استوحش لذلك فلم آمنه على نفسي ، فاحتجت إلى صرفه ، وحرست نفسه ، وبقيت نعمته ، واستحال الأمر عما عقدته له . وكان الأمر على ما ظنه ، من النقصان بعد التناهي .
Page 333