Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
Editor
مصطفى حسين عبد الهادي
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1424هـ-2004م
Publisher Location
بيروت / لبنان
حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبا عبيد الله أحمد بن محمد بن بدر ابن أبي الأصبغ ، يحدث أبي ، قال : كنت أتصرف مع سليمان بن وهب ، لقرابة كانت بيننا من جهة النساء ، وكانت حالي بصحبته في نهاية السعة ، حتى أنه كان يطحن الزعفران في داري ، كما يطحن الناس الدقيق ' 43 ' ، لكثرة ما كان يجيئنا من الجبل ، ونستعمله ، ونهديه . فولي سليمان ديوان الخراج ، فكنت أحد عماله فيه ، فوقعت بيني وبين ابنه عبيد الله ، نفرة ، فلزمت منزلي أياما . فما شعرت إلا برقعة الحسن بن مخلد ، يستدعيني وهو يتولى ديوان الضياع ، وكانت بينهما مماظة ، فمضيت إليه ، فقال لي : أنت معطل ولا تصير إلي ؟ وقد انفصل ما بينك وبين أبي أيوب ؟ فقلت : يا سيدي ، كيف ينفصل ما بيننا ، مع القرابة ؟ ولكن بيننا عتب . فقال : دع ذا ، أنت معطل ، وما تبرح حتى أقلدك عملا . قال : وأراد اجتذابي لناحيته ، وكان الناس - إذ ذاك - يتغايرون على الكفاة . فقلدني أعمال السيب الأسفل ، وقسين ، وجنبلا ، وكانت تجري في ديوانه ، فقبلتها . وخرجت إليها ، وكان الأرز قد قارب الإدراك ، فقدرته ، وعدت إلى سر من رأى ، لأشرح له حال التقدير ، وأستأمره في العمل . فلما بصر بي قال : قد قدمت على فاقة مني إليك ، قد تأذيت بالفلاحين ، وأريد لهم عشرة آلاف دينار سلفا لما يقيمونه في جبل باسورين من الثلج . فقلت له : الأرز خافور ، وما بلغ إلى أن يحرز . فقال : لا بد من أن تستفرغ جهدك ، وحيلتك ، في هذا ، حتى تخفف عني . وكان ، أول خدمة ، فاحتجت أن أضطرب ، لأصنع نفسي عنده ، فخرجت مفكرا فيما أعمله . فلإقبالي ، لقيني رجل من وجوه التجار في الطريق ، وكانت بيننا مودة ، وكان موسرا ، وكان جميع متجره غلات السلطان ، فبدأني بالعتاب على تركي مبايعته شيئا بالسلف من غلات عملي . فاجتذبته إلى منزلي ، وقلت : البيت لك ، فاحتفل ، ولو رأيتك ما عدلت عنك . قال : فأقام عندي يومه ، ولم أزل حتى بعته بحساب الكر الأرز المعدل ، بسبعة دنانير ، وكنت قد قدرت الحاصل فيه للسلطان ، ثلاثة آلاف كر معدل ، وسثنيت عليه في كل كر دينارا ، وأخذت خطه بضمانة تعجيل عشرة آلاف دينار ، لمن يؤمر بأدائها إليه . ورحت إلى دار الحسن بن مخلد ، فوجدته نائما ، والناس ' 44 ' مطرحون في داره ، ثم دخلت إليه ، وشرحت له الصورة ، فسر بها ، وأمر بإحضار صاحب مجلس النفقات في الديوان ، وسلم الرقعة إليه ، وقال : أحل الفلاحين على هذا التاجر . فلما خلا مجلسه ، تقدمت إليه ، وعرفته خبر الاستثناء ، وأريته الخط ، وقلت : إلى من أسلم المال ، إذا قبض ؟ فلم يجبني ، فألححت عليه . فقال لي : يا هذا ، إنك صحبت قوما ، لا مروءة لهم ، فتعودت منهم ، أن تعطوا نفوسهم إلى مضايقة خدمهم في هذا القدر ، وما هو أتفه منه ، وإذا أخذت أنا هذا المرفق ، فأنت لم تخدمني ، وتتبعني ؟ خذ هذا ، وأصلح به حالك ، ليبين عليك أثر خدمتك لي . فقبلت يده ، ورجله ، وعدت إلى عملي ، واستخرجت المال ، ودبرت العمل . وحضر بعد مديدة ، النوروز ، وقد كنت مذ خرجت من حضرته ، سألت ثقات إخواني من التجار في الأسواق ، أن يجمعوا لي كل علق ، حسن ، غريب ، طريف ، مثمن ، من فرش ديباج مثقل ، وأبي قلمون مذهب ، ووشي ، وديبقي مرتفع ، وقصب . قال : فجمع لي من ذلك ، ما كان شراه خمسة آلاف دينار ، وهو يساوي أكثر منها بكثير . ثم كتبت إليه رقعة في معنى الهدية ، وتضرعت في قبولها ، وتشبثت بذلك ، وكتبت ثبت الهدية ، في أسفل الرقعة . فكتب إلي فيها : لك أكرمك الله ، بنات ، وهن إلى هذا أحوج مني ، وقد قبلت ما يصلح قبوله أنسا بك ، وإسقاطا للحشمة معك ، ورددت إليك الباقي ، ليكون لهن . وكان الذي قبله ، ثوب قصب ، ومنديل ديبقي ، وشستجة قصب .
Page 322