Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
Editor
مصطفى حسين عبد الهادي
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1424هـ-2004م
Publisher Location
بيروت / لبنان
حدثني أبي ، قال : لما خرج المعتضد إلى قتال وصيف الخادم ، إلى طرسوس ، وأخذه ، عاد إلى أنطاكية ، فنزل خارجها ، وطاف بالبلد بجيشه ، وكنت صبيا إذ ذاك في المكتب . قال : فخرجت في جملة الناس ، فرأيته وعليه قباء أصفر بلا سواد ، وسمعت رجلا يقول : الخليفة بقباء أصفر بلا سواد ؟ قال : فقال له أحد الجيش : هذا كان عليه وهو جالس في داره في بغداد ، فجاءه الخبر بعصيان وصيف ، فخرج في الحال من داره إلى باب الشماسية ، فعسكر ، وحلف أن لا يغير هذا القباء ، أو يفرغ من أمر وصيف ، فأقام بباب الشماسية ، أياما ، حتى لحقه الجيش ، ثم خرج ، فهو عليه إلى الآن ما غيره . قال : فحدث أبي بعد ذلك : وأنفذ المعتضد إلى سور إنطاكية بفعلة يهدمونه ، فماج الناس ، ولجت العامة ، وتشاور شيوخ المدينة في هذا ، فأجمع رأيهم أن كفوا العامة ، ومضوا إلى مضرب الخليفة ، وسألوا الوصول . فأنفذ إليهم أن اختاروا عشرة منكم ، يدخلون إلي ويخاطبونني . فاختاروا عشرة كنت منهم . فحدثني قال : دخلنا عليه ، فسلمنا ، ووقفنا ، فأمر بإجلاسنا ، فجلسنا . فقالوا : يا أمير المؤمنين ، نحن في وجه عدو كلب ، وجهاد متصل ، ونفير دائم ، والعدو يطرقنا ونطرقه ، فإن هدمت هذا السور ، كان ذلك أقوى عدة للعدو علينا ، وكان البلد له عند أيسر ضعف يلحقنا ، وحادثة تطرقنا ، فإن رأيت أن ترحم ضعفنا ، وتستر ذرارينا ، بهذا السور . فقال : قد كثرت الحوادث علينا في هذه الثغور ، واعتصام كل مخالف ، بحصن منها ، وقد علمتم ما لحقنا بالأمس من ابن الشيخ ، واليوم من هذا الخادم ، وقد سبق مني القول ، أن لا أدع حصنا إلا هدمته ، وأنا أهدم هذا السور ، وأحصنكم من العدو ، بإضعاف عدد الشحنة ، وإدرار الأرزاق ، وإطلاق مال للمطوعة ، يقوون به على جهاد العدو ، فتكون قوتهم مانعة للعدو ، وكأن السور لم يزل ، ولا يطمع أحد في التحصن به إلى العصيان . قال : فلم يكن عند أصحابي حجة ، وضعف كلامهم ، ورأيت المجلس كالمنفض على هذا . فقمت ، واستأذنت في الكلام ، فأذن لي . فقلت : يا أمير المؤمنين ، على أن أقول ما عندي ، وأنا آمن ؟ قال : نعم . قلت : يا أمير المؤمنين ، إن الله لو خلد أحدا في الأرض ، لخلد محمدا صلى الله عليه ، وإن هذه الحصون والأسوار لم توضع لسنة بعينها ، ولا لأيام خليفة بعينه ، وإنما جعلت لتبقى على الدهور ، وتدفع عن أهلها في أيام كل ملك ، سائسا كان أو متوانيا . ولو كنا نثق بحياة أمير المؤمنين أبدا ، ما سألناه خلاف ما يراه ، ولو كنا نثق أن من يلي أمور المسلمين بعده يكون لهم ، باهتمامه بمصالحهم ، وسياسته لخاصتهم وعامتهم ، مثله ، لسهل ذلك علينا المصيبة بفقدان السور الذي لا عوض عنه ، ولو كان من يتقلد بعده ، مثله ، لما كان لنا في ذلك عزاء عن السور ، فإنا لا نأمن من إهمال من يجيء بعد ذلك الخليفة أيضا ، أن تشغله حادثة عنا ، تمنعه من مصالحنا ، فنكون نحن درية لسيوف الروم ، ورماحهم . وإنك يا أمير المؤمنين إن هدمت هذا السور ، بقي بلدنا ما دمت حيا ، ثم خرج عن أيدي المسلمين بعدك ، وقتلتنا الروم ، وسبت ذرارينا ، وصليت بإثمنا في القيامة ، وعارنا في الدنيا ، فالله ، الله ، فينا ، فقد صدقتك يا أمير المؤمنين ، والأمر إليك بعد ذلك . قال : فنكس المعتضد رأسه ساعة ، ثم رفعه ، وقد بكى . وقال : كيف أعمل ، وقد سبق قولي بأني أهدمه ؟ فقلت له : تعمل الفعلة في هذا اليوم فقط ، فيكون في ذلك إبرار لقب أمير المؤمنين ، ثم إذا رحل هو عنا ، أذن لنا في إعادة ما هدم اليوم فقط . فقال : أنفذوا غدا من يرد الفعلة ، ويمنعهم من هدم السور بعد اليوم ، وقد أذنت لكم في إعادة ما انهدم . فشكرناه ، ودعونا له ، وتعالت الصيحة بالدعاء له . | وعدنا ، فوجدنا الفعلة ، قد هدموا ذلك اليوم قطعة منه ، فأعدناها بعد خروج المعتضد ، من أموالنا . فهي معروفة إلى الآن في السور ، لتغير بنائها عن البناء الأول .
Page 410