حدثني أبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثي ، قال : حدثني رجل خراساني من بعض أصحاب الصنعة ، ممن كان يعرف الأحجار الخواصية ، قال : اجتزت برهداري بمصر ، فرأيت عنده حجرا أعرفه ، يكون وزنه خمسة دراهم ، مليح المنظر ، وقد جعله بين يديه في جملة قماشه . وكنت أعرف أن خاصيته في طرد الذباب ، وكنت في طلبه منذ سنين كثيرة . فحين رأيته ساومته فيه ، فاستلم علي به خمسة دراهم ، فلم أماكسه ودفعتها إليه صحاحا . فلما حصلت في يده ، وحصل الحجر في يدي ، أقبل يطنز بي ، ويسخر مني . ويقول : يجون هؤلاء الحمير ، لا يدرون أيش يعطون ، ولا أيش يأخذون ، والله ، إن هذه الحصاة رأيتها منذ أيام مع صبي ، فوهبت له دانق فضة ، وأخذتها ، وقد اشتراها هذا الأحمق مني بخمسة دراهم . فرجعت إليه ، وقلت له : يجب أن أعرفك أنك أنت الأحمق ، لا أنا . قال : كيف ؟ قلت : قم معي ، حتى أعرفك ذلك . فأقمته ومضينا حتى اجتزنا بكسار يبيع التمر في قصعة ، والذباب محيط بها . فنحيت الرجل بعيدا من القصعة ، وجعلت الحجر عليها ، فحين استقر عليها طار جميع الذباب . وتركته ساعة ، وهي خالية من ذبابة واحدة فما فوقها ، ثم أخذت الحجر فرجع الذباب ، ثم رددته ، فطار الذباب . ففعلت ذلك ثلاث مرات ، ثم خبأت الحجر . وقلت : يا أحمق ، هذا حجر الذباب ، وأنا قدمت في طلبه من خراساني ، يجعله الملوك عندنا على موائدهم ، فلا يقربها الذباب ولا يحتاجون إلى مذبة ، ولا إلى مروحة ، والله ، لو لم تبعني إياه إلا بخمسمائة دينار ، لاشتريته منك . قال : فشهق شهقة ، قدرت أن تلف ، ثم أفاق منها بعد ساعة ، وافترقنا . وخرجت بعد أيام إلى خراسان والحجر معي ، فبعته على نصر بن أحمد أميرها بعشرة آلاف درهم . |
Page 349