243

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

حدثني أبو القاسم الجهني ، قال : كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات ، وابن الجصاص حاضر ، فتذاكروا ما يعتقده الناس لأولادهم . فقال ابن الفرات : ما أجل ما يعتقده الناس لأعقابهم ؟ فقال بعض من حضر : الضياع . وقال بعضهم : العقار . وقال آخرون : المال الصامت . وقال آخرون : الجواهر الخفيفة الثمن ، فإن بني أمية سئلوا : أي الأموال كانت أنفع لكم في نكبتكم ؟ فقالوا : الجوهر الخفيف الثمن ، كنا نبيعه ، فلا نطالب بمعرفة ، ولا يتنبه علينا به ، والواحدة منه أخف محملا من ثمنها ، وابن الجصاص ساكت . فقال له ابن الفرات ، كالمستهزئ به : ما تقول أنت يا أبا عبد الله ؟ فقال : أجل ما يعتقده الناس لأولادهم ، الصنائع والإخوان ، فإنهم إن اعتقدوا لهم ضياعا ، أو عقارا ، أو صامتا ، من غير إخوان ، ضاع ذلك وتمحق ، وأحدث الوزير أعزه الله بحديث جرى منذ مدة ، يعلم معه صدق قولي . فقال له ابن الفرات : ما هو ؟ فقال : الناس يعلمون أني صنيعة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ، وكان رجلا مستهترا بالجوهر ، يعتقده لنفسه ، وأولاده ، وجواريه . فكنت جالسا يوما في داري ، فجاءني بوابي ، فقال : بالباب امرأة تستأذن ، في زي رث ، فأذنت لها ، فدخلت ، فقالت لي : تخلي لي مجلسك ، فأخليته . فقالت لي : أنا فلانة ، جارية أبي الجيش . فحين قالت ذلك ، ورأيت صورتها ، عرفتها ، وبكيت لما شاهدتها عليه ، ودعوت غلماني ليحضروني ما أغير به حالها . فقالت : لا تدع أحدا ، فإني أظنك دعوته لتغيير حالي ، وأنا في غنية وكفاية ، ولم أقصدك لذلك ، ولكن لحاجة هي أهم من هذا . فقلت : ما هي ؟ فقالت : تعلم أن أبا الجيش ، لم يكن يعتقد لنا إلا الجوهر ، فلما جرى علينا بعده من طلب السلطان ، ما جرى ، وتشتتنا ، وزال عنا ما كنا فيه ، كان عندي جوهر قد سلمه إلي ، ووهبه لي ، ولابنته مني فلانة ، وهي معي هاهنا . فخشيت أن أظهره بمصر فيؤخذ مني ، فتجهزت للخروج ، وخرجت على هيئة زرية ، مستخفية ، وابنتي معي ، فسلم الله تعالى ، ووصلنا هذا البلد ، وجميع مالنا سالم . فأخرجت من الجواهر شيئا ، قيمته على أبي الجيش خمسة آلاف دينار ، وصرت به إلى سوق الخرازين فبلغ ألفي دينار . فقلت : هاتم . فلما أحضروا المال ، قالوا : أين صاحب المتاع ؟ قلت : أنا هي . قالوا : ليس محلك أن يكون هذا لك ، وأنت لصة ، فتعلقوا بي وجذبوني ، ليحملوني إلى صاحب الشرطة . فخشيت أن أقع في يديه فأعرف ، فيؤخذ الجوهر ، وأطالب أنا بمال ، فأخرج الباقي . فرشوت القوم بدنانير يسيرة كانت معي ، وتركت الجوهر عليهم ، وأفلت . فما نمت ليلتي غما على ما ذهب ، وخشية الفقر ، لأن مالي هذا سبيله ، فأنا غنية فقيرة ، فلم أدر ما أفعل . فذكرت كونك ببغداد ، وما بيننا وبينك ، فجئتك ، والذيأريده منك جاهك ، تبذله لي ، حتى تتخلص لي ما أخذ مني ، وتبيع الباقي ، وتحصل لي ثمنه مالا ، وتشتري به لي ولابنتي عقارا ، نقتات من غلته . قال : فقلت : من أخذ منك الجوهر ؟ فقالت : فلان . فأحضرته ، فجاءني ، فاستخففت به ، وقلت : هذه امرأة من داري ، وأنا أنفذتها بالمتاع لأعرف قيمته ، ولئلا يراني الناس أبيع شيئا بدون قيمته ، فلم تعرضتم لها ؟ فقال : ما علمنا ذلك ، ورسمنا - كما تعلم - لا نبيع شيئا ، إلا بمعرفة ، ولما طالبناها بذلك اضطربت ، فخشينا أن تكون لصة . فقلت له : أريد الجوهر الساعة ، فجاءني به ، فلما رأيته عرفته ، وكنت أنا اشترته لأبي الجيش بخمسة آلاف دينار . فأخذته منهم ، وصرفتهم . وأقامت المرأة في داري ، ونقلت ابنتها إلي ، وأخرجت الجوهر ، فألفته عقودا ، وعرضته ، وتلطفت لها في بيعه بأوفر الأثمان ، فحصل لها منه أكثر من خمسين ألف دينار . فابتعت لها بذلك ضياعا وعقارا ومسكنا ، فهي تعيش به وولدها ، إلى الآن . فنظرت ، فإذا الجوهر لما كان معها بلا صديق ، كان حجرا ، بل كان سببا لمكروه يجري عليها ، وقد رشت على الخلاص منه دنانير ، ولما وجدت صديقا يعينها ، حصل لها منه هذا المال الجليل . فالصديق أفضل العقد . فقال ابن الفرات : أجدت يا أبا عبد الله . ثم قال لنا : الناس ينسبون هذا الرجل إلى الغفلة ، وقد سمعتم ما يقول ، فكيف يكون مثل هذا مغفلا ؟

Page 265