241

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

واخبرني بعض الكتاب ، قال : كان ابن الفرات قد صودر على ألف ألف وستمائة ألف دينار ، فأدى جميعها في مدة ستة عشر شهرا ، من وقت القبض عليه ، وكان في الحبس ، يتوقع أن يطلق . فخاف علي بن عيسى ، وحامد بن العباس ، من إطلاقه ، فتشاورا في شيء يستعملانه مع المقتدر ، يمتنع معه من إطلاقه . قال : وكان أبو زنبور ، قد استقدم ليحاسب ، وكان من صنائع علي بن عيسى في وزارته الأولى . فلما ولي ابن الفرات ، أقره ، وأحسن إليه ، فكان أبو زنبور يحمل إليه في كل شهر عشرة آلاف دينار ، مرفقا عن أعماله ، ويخفيها ، فتصل في أعدال البز ، وما يشاكل ذلك . فقال علي بن عيسى ، لحامد : ما أشك أن ابن الفرات ، قد كان يرتفق من عامل مصر ، بمرفق جليل ، فنحضر أبا زنبور ، ونسأله عن ذلك . فأحضراه ، وسألاه عن مرفقه ، فكشف لهما عن الصورة ، وصدقهما عنها ، ولم يكن فيه من الفضل ما يخفي ذلك ، على الرجل ونفسه . فقال علي بن عيسى : هذا مال عظيم ، فخذ خط أبي زنبور ، بأنه كان يحمل إليه ذلك ، واعرضه على الخليفة . ففعلا ذلك ، وعرضاه عليه ، وقالا له : يجب أن يطالب بذلك . فقال الخليفة : أخرجوه ، وطالبوه ، بعد أن تناظروه . قال : فجلس حامد بن العباس ، وعلي بن عيسى ، ونصر القشوري ، وابن الحواري ، واحضروا أبا زنبور معهم ، واستدعوا ابن الفرات من محبسه ليناظروه . وكان شفيع المقتدري ، يتعصب لابن الفرات ، ويعتني بأمره ، ويقوم فيما بينه وبين الخليفة ، فقال للمقتدر : يا مولاي ، إن ابن الفرات منكوب ، وهؤلاء أعداؤه ، ولعله أن يجيبهم بجواب لك فيه فائدة ، فلا يبلغونك إياه ، فأنفذ من يحضر المجلس ، ويرقي إليك ما يجري . فقال له : امض أنت وافعل هذا . قال : فخرج شفيع ، فوجد ابن الفرات ، في الصحن ، وقد أخرج من محبسه ، وهو يمشي ، ليخل مجلس الوزير . فقال له : اثبت فإني معك . فقويت نفسه ، ودخل المجلس ، وحامد في صدر دست عظيم ، برسم الوزارة ، في دار الخلافة ، وعلي بن عيسى عن يمينه ، وبجنبه ابن الحواري ، ونصر القشوري عن يساره ، وبجنبه أبو زنبور . فسلم ابن الفرات ، وتخطى حتى جلس بين يدي حامد ، فرفعه قليلا . وخاطبه ابن الفرات بالوزارة ، وسلم على علي بن عيسى ، وأدار عينه في المجلس ، فعرف كل من فيه ، إلا أبا زنبور ، فإنه كان لغيبته بمصر ، لم يشاهده قط . فقال لمن كان بجانبه : من هذا ؟ فقال له : هذا أبو زنبور عامل مصر . فأحس ابن الفرات ، بأنه في بلية سببها أبو زنبور ، فقال : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه . قال : وكان أبو زنبور قصيرا دميما مقبحا . فقال أبو زنبور في الحال : لوددت أن الأرض ابتلعتني فبل ذلك . قال ، فقال له حامد ، وعلي بن عيسى : هذا فلان بن فلان ، عامل مصر ، قد ذكر أنه كان يرفقك في كل شهر ، من مال عمله ، بعشرة آلاف دينار ، تكون لمدة ولايتك ، كذا وكذا ، وما حملت لبيت المال شيئا منها ، ويجب الآن أداءها ، فما تقول ؟ فقال لهما : إن هذا - وأومأ إلى أبي زنبور - إن كان قد أمر بالسعاية ، بوزير عامله ، فكشف ستره في أيام نكبته ، وسعى بمرفق أرفقه به في حال ولايته ، وأبان بذلك عن قدر عقله ، وأمانته ، وعقل من يركن إليه مستأنفا ، فإنه قد صدق فيما أخبر به . ولم أكن لأرتفق هذا منه ، لأدع له شيئا من مال السلطان ، ولا لأمكنه من اقتطاعه ، وكن لأمهله من وقت إلى آخر ، وأزيد في إكرامه ، ومخاطبته ، وأرفهه عن إنفاذ المستحثين ، ومن تلزمه عليهم المؤونة التي لا يجب الاحتساب بمثلها ، وكلما يتفق الوزراء من العمال ، قديما ، وحديثا فهذا سبيله . وإنما صودرت على ألف ألف وستمائة ألف دينار ، أديتها صلحا ، عن هذا ومثله وشبهه ، وإلا فأي شيء كان موجب مصادرتي إلا عن هذا وما يشبهه ؟ فالمصادرة قد غسلت عني هذا كله . ولكن ، قد وجب على أبي زنبور من هذا المرفق ، باعترافه لمدة عطلتي وحبسي ، وهي ستة عشر شهرا ، مائة ألف وستون ألف دينار . فإن كان أرفق الوزير أعزه الله بها ، فقد سقطت عنه ، والكلام فيها بين الخلفة والوزير ، وإن كان لم يحملها إليه ، فيجب الآن أن يحملها إلى أمير المؤمنين . قال : فقام شفيع في الحال . فقال له علي بن عيسى : إلى أين يا أبا اليسر ؟ قال : إلى مولانا ، أحكي له ما جرى ، فإنه أنفذني لهذا السبب ، وأمرني به ومضى . وحمل ابن الفرات إلى حبسه . فعاد شفيع وقال : يقول لكم مولانا ، لا يبرح أحد منكم ، أو تحمل إلي هذه المائة ألف وستون ألف دينار ، كيف شئتم . فقال علي بن عيسى : جئنا به لنصادره ، فصادرنا . فألزموا أبا زنبور معظم المال ، وعاونوه بشيء تحمل قسطه حامد ، وعلي بن عيسى . وضمنوا المال ، ثم انصرفوا . ؟

Page 262