قال أبو الحسين محمد بن علي ، وحدثني أبي رحمه الله ، وسمعته من غيره : إن القضاة والشهود ، بمدينة السلام ، أدخلوا على المعتمد على الله للشهادة عليه في دين كان اقترضه عند الإضاقة بالإنفاق على حرب صاحب الزنج . فلما مثلوا بين يديه ، قرأ عليهم إسماعيل بن بلبل الكتاب ، ثم قال : إن أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - يأمركم أن تشهدوا عليه ، بما في هذا الكتاب . فشهد القوم ، حتى بلغ الكتاب إلى الجذوعي القاضي ، فأخذ بيده وتقدم إلى السرير ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أشهد عليك بما في هذا الكتاب ؟ فقال : اشهد . فقال : لا يجوز ، أو تقول : نعم ، فأشهد عليك . فقال : نعم ، فشهد في الكتاب ، ثم خرج . فقال المعتمد : من هذا ؟ فقيل له : هذا الجذوعي البصري . فقال : وما إليه ؟ فقالوا : ليس إليه شيء . فقال : مثل هذا لا يكون مصروفا ، فقلدوه واسطا . فقلده إسماعيل ، وانحدر . فاحتاج يوما إلى مشاورة الحاكم ، في ما يشاور في مثله ، فقال : استدعوا القاضي ، فحضر ، وكان قصيرا ، وله دنية طويلة ، فدخل في بعض الممرات ومعه غلام له ، فلقيه غلام كان للموفق ، وكان شديد التقدم عنده ، وكان مخمورا ، أو سكرانا ، فصادفه في مكان كان خاليا من الممر ، فوضع يده على دنيته ، حتى غاص رأسه فيها ، وتركه ومضى . فجلس الجذوعي في مكانه ، فأقبل غلامه ، حتى فتقها ، وأخرج رأسه منها ، وثنى رداءه على رأسه ، وعاد إلى داره ، وأحضر الشهود ، وأمرهم بتسلم الديوان ، ورسل الموفق يترددون ، وقد سترت الحال عنه . حتى قال بعض الشهود ، لبعض الرسل ، الخبر ، فعاد إلى الموفق ، فأخبره بذلك . فأحضر صاحب الشرطة ، وأمره بتجريد الغلام ، وحمله إلى القاضي ، وضربه هناك ألف سوط . وكان والد هذا الغلام من جلة القواد ، ومحله محل من لو هم بالعصيان أطاعه أكثر الجيش ، فترجل القواد ، وصاروا إليه ، وقالوا : مرنا بأمرك ، فقال : إن الأمير الموفق ، أشفق عليه مني . فمشى القواد بأسرهم مع الغلام ، إلى باب الجذوعي ، فدخلوا عليه وضرعوا له ، فأدخل صاحب الشرطة ، وقال : لا تضربه . فقال : لا أقدم على خلاف أمر الموفق . فقال : فإني أركب إليه ، وأزيل ذلك عنه . فركب فشفع له ، وصفح عنه . إيحاشك فقد ، وإيناسك وعد حدثني أبي رضي الله عنه : إن صديقا لأبي خليفة القاضي ، اجتاز عليه راكبا ، وهو في مسجده ، فسأله أن ينزل عنده ليحادثه . فقال : أمضي وأعود . فقال له أبو خليفة : إيحاشك فقد ، وإيناسك وعد .
Page 256