201

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

حدثني أبي ، عن أبي محمد ابن حمدون ، قال : كنت بحضرة المعتضد ليلة شرب ، إذ جاءه كتاب ، فقرأه وقطع الشرب ، وتنغص به . واستدعى عبيد الله بن سليمان ، فأحضر للوقت ، وقد كاد يتلف ، وظن أنه قد قبض عليه . فرمى بالكتاب إليه ، فإذا هو كتاب صاحب خبر السر بقزوين إليه ، يقول : إن رجلا من الديلم ، وجد بقزوين ، وقد دخلها متنكرا . فقال لعبيد الله : اكتب الساعة ، إلى صاحبي الحرب والخراج ، وأقم قيامتهما ، وتهددهما عني بالقتل ، لم تم هذا ، وتشدد في الإنكار ، وطالبهما بتحصيل الرجل ، ولو من تخوم الديلم ، وأعلمهما إن دمهما مرتهن به ، حتى يحضرانه . وأرسم لهما أن لا يدخل البلد مستأنفا أحد ، ولا يخرج إلا بجواز ، حتى لا تتم حيلة لأحد من الديلم في الدخول سرا ، وأن يزيدا في الحذر والتيقظ ، ونفذنا الناس إليهم ، وأفرط في التأكيد . فقال عبيد الله : السمع والطاعة ، أمضي إلى داري ، فأكتب . فقال : لا ، إجلس بمكانك ، واكتب بخطك ، واعرض علي . قال : فأجلسه ، وعقله ذاهل ، فكتب ذلك ، وعرضه عليه ، فلما ارتضاه ، دعا بخريطة إلى حضرته ، فجعلت الكتب فيها ، وأنفذها . وقال لعبيد الله : أنفذ معها من يأتيك بخبر وصولها النهروان ، وسيرها عن ، وانصرف . فنهض عبيد الله ، وعاد المعتضد إلى مجلس شربه ، وكان قد لحقه تعب عظيم ، فاستلقى ساعة ، ثم عاد يشرب . فقلت له : يا أمير المؤمنين ، تأذن في الكلام ؟ فقال : نعم . فقلت : كنت على سرور ، وطيب نفس ، فورد خبر قد كان يجوز أن تأمر فيه غدا بما أمرت به الساعة ، فضيقت صدرك ، وقطعت شربك ، وتغصت على نفسك ، وروعت وزيرك ، وأطرت عقول عياله وأصحابه ، باستدعائه في هذا الوقت المنكر ، حتى أمرته بهذا الذي لو أخرته إلى غد ، لكن جائزا . فقال : ابن حمدون ، ليست هذه من مسائلك ، ولكنا أذنا لك في الكلام . إن الديلم شر أمة في الدنيا ، وأتهمهم مكرا ، وأشدهم بأسا ، وأقواهم قلوبا ، ووالله ، لقد طار عقلي فزعا على الدولة من أن تطرق إليهم دخول قزوين سرا ، فيجتمع فيها منهم عدة ، يوقعون بمن فيها ويملكونها ، وهي الثغر بيننا وبينهم ، فيطول أمد ارتجاعها منهم ، ويلحق الملك من الضعف والوهن بذلك أمر عظيم ، يكون سببا لبطلان الدولة ، وتخيلت أني إن أمسكت عن التدبير ساعة ، إنه يفوت ، وإنهم يحتوون على قزوين ، ووالله لو ملكوها ، لنبعوا علي من تحت سريري هذا ، واحتووا على دار المملكة ، فما هنأني الشرب ، ولا طابت نفسي بمضي ساعة من زماني فارغة من تدبير عليهم . فعملت ما رأيت . |

Page 217