Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
Editor
مصطفى حسين عبد الهادي
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1424هـ-2004م
Publisher Location
بيروت / لبنان
حدثني أبو محمد ، قال : حدثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي الكاتب ، قال : أخبرني من أثق به ، أن إبراهيم بن المدبر قال : كنت أتعشق عريب ، دهرا طويلا ، وأنفقت عليها مالا جليلا . فلما قصدني الزمان ، وتركت التصرف ، ولزمت البيت ، كانت هي أيضا ، قد أسنت ، وتابت من الغناء ، وزمنت . فكنت جالسا يوما ، إذ جاءني بوابي ، وقال : طيار عريب بالباب ، وهي فيه تستأذن . فعجبت من ذلك ، وارتاح قلبي إليها ، فقمت حتى نزلت إلى الشط ، فإذا هي جالسة في طيارها . فقلت : يا ستي ، كيف كان هذا . قالت : اشتقت إليك ، وطال العهد ، فأحببت أن أجدده ، وأشرب عندك اليوم . قلت : فاصعدي . قالت : حتى تجيء محفتي . قال : فإذا بطيار لطيف ، قد جاء وفيه المحفة ، فأجلست فيها ، وأصعد بها الخدم . وتحدثنا ساعة ، ثم قدم الطعام ، فأكلنا ، وأحضر النبيذ ، فشربت وسقيتها فشربت ، وأمرت جواريها بالغناء ، وكان ومعها منهن عدة ، وحسنات ، طياب ، حذاق ، فتغنين أحسن غناء وأطيبه ، فطربت وسررت . وقد كنت ، قبل ذلك بأيام ، عملت شعرا ، وأنا مولع في أكثر الأوقات بترديده ، وإنشاده ، وهو : إن كان ليلك نوما لا انقضاء له . . . فإن جفني لا يثنى لتغميض كأن جنبي في الظلماء تقرضه . . . على الحشية أطراف المقاريص أستودع الله من لا أستطيع له . . . شكوى المحبة إلا بالمعاريض . فقلت لها : يا ستي ، إني قد عملت أبياتا ، أشتهي أن تصنعي فيها لحنا . فقالت : يا أبا إسحاق مع التوبة ؟ قلت لها : فاحتالي في ذلك كيف شئت . فقالت : رو هاتين الصبيتين الشعر ، وأومأت إلى بدعة وتحفة جاريتيها . فحفظتهما الشعر ، وفكرت ساعة ، ووقعت بالمروحة على الأرض ، وزمزمت مع نفسها ، ثم قالت لهما : أصلحا الوتر الفلاني على الطريقة الفلانية ، وأضربا بالإصبع الفلانية ، وافعلا كذا وكذا ، إلى أن فتح لهما الضرب ، ثم قالت غنياه على الطريقة الفلانية ، وأجعلا في الموضع الفلاني كذا . فغناه ، كأنهما قد سمعناه قبل ذلك دفعات ، وما خرج الغناء من بين شفتيها . فطربت وقلت في نفسي : عريب تزورني وتلحن شعري ، وهي على كل حال مغنية ، وتنصرف من عندي صفرا ؟ والله ، لا كان هذا ، ولو أني مت ضرا وجوعا وفقرا . فقمت إلى جواري ، وشرحت الحال لهن ، وقلت : عاونني بما يحضركن ، فدفعت إلى هذه خلخالا ، وهذه سوارا ، وهذه عقد حب ، وهذه جان ، إلى أن اجتمع لي من حيلهن ما قيمته ألف دينار . قال : واستدعيت زنبيلا مشبكا ذهبا كان عندي ، فيه مائة مثقال ، فجعلت ذلك فيه ، وخرجت به إليها ، وقلت : يا سيدتي ، هذه طرف ، أحببت إتحاف هاتين الصبيتين بها ، فأحب أن تأمريهما بأخذها . فامتنعت امتناعا ضعيفا ، وقالت : يا أبا إسحاق ، بيننا اليوم هذا ، أو فضل فضل له ؟ فقلت : لا بد . فقالت لهما : خذاه ، فأخذتاه ، وجلست إلى وقت المغرب . ثم قامت لتنصرف ، فشيعتها إلى دجلة . فلما أرادت الجلوس في طيارها ، قالت : يا أبا إسحاق لي حاجة . قلت : مري بأمرك . قالت : قد ابتاعت فلانة ، أم ولدك ، ضيعة يقال لها كذا ، وهي تحاورني ، وأنا شفيعتها ، وأريد أن تأمرها بأخذ المال مني والنزول عنها لي . فعلمت أنها إنما جاءت لهذا السبب . فقلت : مكانك ، فتوقفت في الطيار . فدخلت إلى أم ولدي وضمنت لها المال ، وأخذت العهدة بالضيعة ، فجئت بها إليها . وقلت : قد وهبتها لك ، وضمنت المال لها ، وفي غد أتقدم بالإشهاد لك في ظهر الكتاب . فخذيه معك عاجلا . فشكرتني ومضت . وكان شراء الضيعة ألف دينار . فقام علي يومها ، وتلحينها هذا الشعر بألفي دينار ومائة دينار .
Page 185