150

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

: حدثني أبو الحسن علي بن القاضي أبي طالب محمد بن القاضي أبي جعفر ابن البهلول ، قال : طلبت السيدة أم المقتدر ، من جدي ، كتاب وقف لضيعة كانت ابتاعتها ، وكان الكتاب في ديوان القضاء ، فأرادت أخذه لتخرقه ، وتبطل الوقف ، ولم يعلم جدي بذلك . فحمله إلى الدار ، وقال للقهرمانة : قد أحضرت الكتاب كما رسمت فأيش تريد ؟ فقالوا : نريد أن يكون عندنا . فأحس بالأمر ، فقال لأم موسي القهرمانة : تقولين للسيدة أعزها الله ، هذا والله ما لا طريق إليه أبدا ، أنا خازن المسلمين على ديوان الحكم فإما مكنتموني من خزنة كما يجب ، وإلا فاصرفوني وتسلموا الديوان دفعة ، فاعملوا به ما شئتم ، وخذوا منه ما أردتم ، ودعوا ما أردتم ، أما أن يفعل شيء منه على يدي ، فو الله لا كان هذا ولو عرضت على السيف . ونهض والكتاب معه ، وجاء إلى طياره ، وهو لا يشك في الصرف ، فصعد إلى ابن الفرات ، فحدثه بالحديث ، وهو وزير . فقال : ألا دافعت عن الجواب ، وعرفتني حتى كنت أتلافى ذلك ، الآن أنت مصروف ، ولا حيلة لي مع السيدة في أمرك . قال : أودت القهرمانة الرسالة إلى السيدة ، فشكته إلى المقتدر . فلما كان في يوم الموكب ، خاطبه المقتدر شفاها في ذلك ، فكشف له الصورة ، وقال مثل ذلك القول في الإستغفاء . فقال له المقتدر : مثلك يا أحمد يقلد القضاء ، أقم على ما أنت عليه ، بارك الله فيك ، ولا تخف أن يثلم ذلك عرضك عندنا . قال : فلما عاودته السيدة ، بلغنا أنه قال لها : الأحكام ما لا طريق إلى اللعب به ، وابن البهلول مأمون علينا ، محب لدولتنا ، وهو شيخ دين ، مستجاب الدعوة ، ولو كان هذا شيء يجوز ، ما منعك إياه . فسألت السيدة كاتبها ابن عبد الحميد عن ذلك ، وشرحت له الأمر . فلما سمع ما قاله جدي ، بكى بكاء شديدا - وكان شيخا صالحا من شيوخ الكتاب - وقال : الآن علمت أن دولة السيدة وأمير المؤمنين تبقى ، وتثبت أركانها ، إذ كان فيها مثل هذا الشيخ الصالح الذي يقيم الحق على السيدة ، ولا يخاف في الله لومة لائم . فأي شيء يساوي شراؤكم لوقف ؟ وإن أخذتم كتابه خرقتموه ، فأمره شائع ذائع ، والله فوق كل شيء ، وبه عالم . فقالت السيدة : وكأن هذا لا يجوز ؟ فقال لها : لا ، هذه حيلة من أرباب الوقف على مال الله ، واعلمها أن الشراء لا يصح بتخريق كتاب الوقف ، وهذا لا يحل . فارتجعت المال ، وفسخت الشراء ، وعادت تشكر جدي ، وانقلب ذلك أثرا جميلا عندهم . فقال لنا جدي بعد ذلك : من قدم أمر الله تعالى على أمر المخلوقين كفاه الله شرهم .

Page 162