بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين باري الخلائق أجمعين الذي سن لهم أحكاما وتشريعات تعود عليهم بالنفع في عاجل الدنيا وآجل الاخرة وجعلها طبقا لمصالح وعلل لا يعلمها الا هو ومن ارتضاه من رسله وعباده المخلصين. والصلاة والسلام على منقذ البشرية من الظلمات إلى النور، الذي حلاله حلال أبدا إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، الذي لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى، وعلى آله الغر الميامين أمناء الله على دينه ومهبط وحيه ومعدن رحمته وخزان علمه.. والذين هم منتهى الحلم واصول الكرم وقادة الامم وأولياء النعم وعناصر الابرار ودعائم الاخيار وساسة العباد وأركان البلاد وأبواب الايمان.، حجج الله على أهل الدنيا والاخرة والاولى المظهرين لامر الله ونهيه وعباده المكرمين الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.

--- [4]

Page 3

[الحرية:] الحرية هو شعار، كثيرا ما دفعته أديان ومذاهب وأحزاب وقوميات وشخصيات في العصر الحديث وفي العصر القديم وجعل هذا الشعار هدفا ومقصدا للانسان يسعى لتحقيقه ويتغنى به، وإذا أراد الانسان أن يبحث عن المبدأ أو الفئة التي أعطت للانسان حريته وسعادته المنشودة لم يجد لها عين ولا أثر على وجه البسيطة حتى المذاهب التي اتخذت الحرية شعارا اساسا لها كالرأسمالية الغربية أو الاشتراكية الشرقية والذي يوجد عندها انما هو لفظ الحرية ومصداق العبودية بمعنى الكلمة وبما يحمل اللفظ من معنى لهذا رجع الانسان من هذين المذهبين بل والمذاهب الاخرى الوضعية بخفي حنين الا العبودية الذليلة. الانسان لا يجد حريته وسعادته الا في الاسلام وهو الدين والمبدأ الوحيد الذي ضمن للانسان سعادته وحريته الحقيقية في جميع المجالات: المبدأية والاقتصادية والاخلاقية الفردية والاجتماعية، وهذه هي الحرية التي تعلو به إلى ما يتناسب مع انسانيته وكرامته بل وتعلو به إلى أعلى عليين حتى تقربه من مولاه. [حرية الفكر في الاسلام:] من جملة الحريات التي منحها الاسلام للانسان هي حرية الفكر ودعاه وحثه على التفكر في جميع المجالات بما فيها الكون والحياة والاخرة وما سوف يؤول إليه وأشار إلى حقيقة قد تخفى على الانسان وهي ان الذي يستفيد من الكون والحياة ويكون على سبيل نجاة هو الذي يفكر فيما حوله (ان

--- [5]

Page 4

في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض..) (1). وان الذي يأخذ عبرة من ذلك هو الانسان المفكر قال تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون) (2). وفي الحث على الفكر وحريته فضله على كثير من العبادات فقد روي عن نبي الاسلام صلى الله عليه وآله قوله: " فكرة ساعة أفضل من عبادة سنة " (3). وأرجحية التفكر على العبادة ليس الا لان في التفكر ميزة خاصة لا توجد في كثير من العبادات الجوفاء عن المعرفة والهداية. تلك الميزة هي الوصول إلى الحقيقة فكم انسان قد اهتدى إلى الاسلام أو من الفسق والعصيان إلى الايمان وخرج من الظلمات إلى النور ومن الشقاء إلى السعادة. لانه استعمل فكره وعقله لفترة من الزمن وقد لا تتجاوز الساعات أو الدقائق فيرتبط مصيره بهذه اللحظات القيمة. والشواهد على ذلك كثيرة جدا فالنقتبس من باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله بعضها قال عليه السلام: " فكرك يهديك إلى الرشاد، ويحدوك على اصلاح المعاد " (4). وقال أيضا: " لكل شئ دليل ودليل العاقل التفكر " (5). وقال عليه السلام: مشيرا إلى انه كل ما كان تفكير الانسان أكثر وأعمق كان صوابه

---

(1) سورة آل عمران: 190 - 191. (2) الجاثية: 13. (3) البحار 71 / 326. (4) غرر الحكم ص 227. (5) تحف العقول ص 285.

--- [6]

Page 5

وقربه إلى الحق أكثر وكل ما قل تفكيره كثر خطائه وقرب نحو الباطل " طول الفكر يحمد العواقب، ويستدرك فساد الامور " (1). وقال عليه السلام: " تفكرك يفيدك الاستبصار ويكسبك الاعتبار " (2). وقال عليه السلام: " من فكر قبل العمل كثر صوابه " (3). [المبدأ الاول وحرية الفكر:] والاسلام حينما دعى إلى حرية الفكر وحث عليه لم يكن ذلك من باب التسلية والشعار الفارغ وانما رتب على ذلك الاثر كبقية الحقائق التي يدعو إليها. فأهم شئ في وجهة نظر الاسلام بل في الوجود ككل هو معرفة المبدأ الاول المنشئ لهذا الكون بما فيه وهذه الحياة التي يعيشها الانسان على هذا الكوكب. فالاسلام ابتدأ مع الانسان من هذه المهمة التي هي أول ما يحتاجه الانسان ولا يمكن أن يستقل عنها أو ينفصل عن فيضها ولو لحظة واحدة، فنبه الاسلام الانسان على أنه لابد له من الاعتراف بوجود الله سبحانه وعدالته من طريق العقل الحر والتفكير العميق ولا يكفي التقليد فيه وكذلك بقية اصول الدين كالنبوة والامامة والمعاد يلزم أن يعترف بها من طريق فكره وأدلتها متوفرة لجميع الناس مهما اختلفت مستوياتهم ويكتفي من كل بحسب حاله، والايات والروايات التي تتحدث كأدلة ليست الا محض ارشاد والا لحصلت المصادرة. وهذا لا يمنع من ان الاسلام اتخذ موقفا آخر بالنسبة إلى فروع الدين فقد فسح المجال للتقليد فيها لمن ليس أهلا للنظر والفحص وذلك لكثرتها وتشعب

---

(1) غرر الحكم ص 208. (2) غرر الحكم ص 157. (3) غرر الحكم ص 277.

--- [7]

Page 6

أدلتها خصوصا مع البعد الزمني عن عصر الرسالة وتوقف النظام الاجتماعي لو اشتغل الكل بتحصيل كل ما يحتاجه من مسائل الفقه. [حرية اختيار الاسلام:] بعد أن عرفنا ان معرفة المبدأ الاول لابد أن يكون من طريق العقل وحريته التامة. نعرف ان كل شئ مهما سما فهو دون المولى سبحانه حتى الاسلام فاختياره يكون بتفكر الانسان وبحثه وتدقيقاته (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) وعندما يستعمل عقله فالنتيجة هي الاعتراف بالاسلام ومباديه لهذا نرى ان الاسلام يعطي الانسان حرية التفكير في بحثه وهو مطمأن ان النتيجة هو الوصول إلى الحقيقة والواقع وتراه يضع للانسان الداعية الطرق الحكيمة والخلقية عندما يدعو الانسان غيره ولا يحتاج لان يستعمل الاساليب الملتوية من الكذب والغش والبهتان والشتم والتعصب الاعمى (ادعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (1) (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن) (2). واننا على علم ويقين تأمين ان الانسان مهما كان إذا استعمل فكره ولم يتعصب إلى فكرة معينة أو تقليد أعمى لابويه أو لبيئته التي يعيش فيها أو لحزب ينتمي إليه أو لمذهب ينتسب إليه وصار موضوعيا في فكره وبحثه وأخلص النية لله تعالى للحق في هدفه فانه سوف يصل إلى الحقيقة وتنكشف له كما سوف يتعرف على الباطل وموارد الاشتباه والالتباس عليه وذلك بعون الله وحسن لطفه وعنايته.

---

(1) النحل: 125. (2) العنكبوت: 46.

--- [8]

Page 7

[منزلة العقل في الاسلام:] فإذا عرفنا هذه الاهمية الكبرى للفكر في الاسلام نعرف أهمية العقل في حياة الانسان وسعادته ووصوله إلى الواقع. فان العقل أداة الفكر الذي يفكر بها الانسان وقد وردت النصوص الكثيرة في مدح العقل وجعله حجة على الناس كما ان الرسل حجة عليهم. قال الامام الكاظم عليه السلام: " يا هشام ان لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة. فأما الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة عليهم السلام، وأما الباطنة فالعقول " (1). بل جعل التمييز بين الخير والشر والنزوع عن الشر انما هو بالعقل. فقد روي عن الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله: " انما يدرك الخير كله بالعقل ولا دين لمن لا عقل له " (2). وهكذا يتتابع المدح والثناء على العقل وما يلازمه من العلم والتفقه (انما يخشى الله من عباده العلماء) (3). وقال الامام الكاظم عليه السلام: " تفقهوا في دين الله فان الفقه مفتاح البصيرة " (4). وقال الامام أمير المؤمنين عليه السلام: " ايها الناس لا خير في دين لا تفقه فيه " (5).

---

(1) الكافي ج 1 / 16. (2) تحف العقول ص 44. (3) فاطر: 28. (4) تحف العقول ص 302. (5) البحار ج 70 / 307.

--- [9]

Page 8

[الموضوعية عند أهل البيت:] لا نعجب لما نرى أئمة الهدى من آل الرسول صلى الله عليه وآله ان هدفهم هو الوصول إلى الحق مهما كان طريقه مرا وشائكا وكأودا واننا بملاحظة تعاليمهم عليهم السلام وتربيتهم لامة جدهم نرى أروع الامثلة في الموضوعية والتجرد عن التقليد الاعمى والتعصب الجاهلي فمثلا نقرأ قول الامام الهادي عليه السلام في مناجاته لربه وتضرعه إليه: " اللهم اني لو وجدت شفعاء أقرب اليك من محمد وأهل بيته الاخيار الائمة الابرار لجعلتهم شفعائي اليك.. ". فالميزان ليس الحسب أو النسب أو العشيرة أو تقليد الاباء مهما بلغوا في عظمتهم وشهرتهم بل المقصد هو الوصول إلى الحق سبحانه والقرب إليه من أي طريق وبأي ثمن وانما يجب التمسك بالمبدأ المعين إذا كان موصلا إلى الله تعالى ومقربا نحوه والا لا قيمة له، فالامام الهادي عليه السلام يفترض - وفرض المحال ليس بمحال - انه لو وجد شخص أقرب إلى الله من الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله لوجب التمسك به، وهذا غاية الموضوعية والاخلاص إلى الله سبحانه. * * * وان الموضوعية في الابحاث مهما كانت قد تبدو حساسة وشائكة وصعبة الا انها سوف تكون عاملا مساعدا للوحدة ولم شعث الامة الاسلامية ورص صفوفها في قبال الكفر العالمي، وأما السكوت عن القضايا المذهبية والخلافية أو اثارتها بالشتم والكذب والبهتان والتعصب فانه لن يجدي نفعا للامة الاسلامية ووحدتها وعزها وكرامتها، بل يجب أن تتوحد الصفوف وتنصهر وتحابب القلوب مهما كان بينها من خلاف أو تعدد في المذاهب والافكار وتكون كالجسد

--- [10]

Page 9

الواحد يتألم بعضه لبعض لتعود خير أمة أخرجت للناس. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا من جملة الكتب التي تعرض القضايا العلمية والتاريخية والفقهية والكلامية ويبحثها بحثا موضوعيا بعيدا عن التعصب المذهبي أو الطائفي بل أعطى للفكر مجاله في مناقشات الابحاث التي تعرض لها. وأول ما يلفت انتباهنا هو عنوان الكتاب (النص والاجتهاد) فماذا يراد بهذين اللفظين وما هو مقدار الصلة والتقابل بينهما. [النص:] أصل النص في اللغة: أقصى الشئ وغايته ثم سمي به ضرب من السير السريع. ونصصت الحديث إلى فلان: رفعته إليه (1). [وللنص معنيان] 1 - ان يكون في مقابل المجمل أو الغير الظاهر فيكون النص: " ما دل على معنى غير محتمل للنقيض بحسب الفهم " (2). وقال صاحب المعارج: " هو الكلام الذي يظهر افادته لمعناه ولا يتناول أكثر مما هو مقول فيه " (3). وهذا المعنى لم يكن محط لنظر المصنف. 2 - النص: المراد به الكتاب الكريم والسنة الشريفة بأقسامها الثلاثة: أ- قول المعصوم. ب - وفعله. ج - وتقريره.

---

(1) راجع: الصحاح ولسان العرب. (2) مجمع البحرين ج 4 / 186. (3) معارج الاصول ص 105.

--- [11]

Page 10

فقد أطلق على كل ذلك النص فإذا قيل عنده نص أي أحد هذه الامور وإذا قيل لم يكن عنده نص أي هذه الامور منتفية فيرجع معنى النص إلى انه: " الدليل الدال على الحكم الشرعي والثابت عن الشارع من طريق القطع أو الظن المعتبر سواء كان كتابا أو سنة ". وهذا هو مراد المصنف كما هو واضح من ثنايا أبحاث الكتاب. [الاجتهاد:] والاجتهاد في اللغة مأخوذ من " الجهد " بالضم بمعنى الطاقة وبالفتح بمعنى المشقة فهو بذل الوسع والطاقة والقيام بعمل ما مع المشقة. وبهذا المعنى استعمل في القرن الاول الاسلامي فالنصوص التي قد وردت وتحدثت عن الاجتهاد بناءا على صحة تلك النصوص فالمراد هو الاجتهاد اللغوي ولم يكن لهم اصطلاح خاص غير المعنى اللغوي. [في الاصطلاح:] والاجتهاد في اصطلاح علماء الاصول قد تعدد تعريفه عندهم: فقد عرفوه: " انه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الاصل فعلا أو قرة قريبة " كما عرفه البهائي بذلك. وعرفه الغزالي بأنه: بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة ". وعرفه ثالث: من انه " الملكة التي يقتدر بها على ضم الصغريات لكبرياتها لانتاج حكم شرعي أو وظيفة عملية شرعية أو عقلية " (2).

---

(1) راجع كتب اللغة الصحاح ولسان العرب. (2) الاجتهاد لبحر العلوم والاصول العامة للحكيم، ومقدمة الكتاب للحكيم أيضا.

--- [12]

Page 11

وغيرها من عشرات التعاريف التي لا تتعدى انها شرح للاسم وليست تعاريف لحقيقة الاجتهاد خصوصا بعد تطوره واختلافه من زمن إلى آخر. [التأويل:] عرفنا فيما سبق انه القرن الاول الاسلامي لم يستعمل الاجتهاد كمصطلح خاص يغاير المعنى اللغوي بل يستعملونه في المعنى اللغوي فقط. وهم يستعملون مكانه كمصطلح خاص لفظ " التأويل " فالشخص الذي يرتكب مخالفة للكتاب أو السنة ويراد أن يعتذر عنه أو يصحح عمله يقال له تأول. وأمثلة ذلك كثيرة في الصدر الاول: منها: ان خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة عامل رسول الله على صدقات قومه اعتذر خالد عن فعله وقال للخليفة أبي بكر: " يا خليفة رسول الله اني تأولت وأصبت وأخطأت " (1). ومنها: قول أبي بكر جوابا لعمر حين قال: " ان خالدا زنى فارجمه ": " ما كنت أرجمه فانه تأول فأخطأ " أو " هبه يا عمر، تأول فأخطأ.. " (2). وهكذا كانوا يعتذرون لجملة من الصحابة في أعمالهم كاتمام الصلاة في حال السفر لعائشة وعثمان والحروب التي دارت بين الصحابة (3). وتطور الاعتذار إلى حد صار إلى كل جريمة ترتكب والمرتكب في نظرهم مسكوت عنه.

---

(1) راجع ما يأتي ص 125. (2) مقدمة مرآة العقول ج 1 / 67، وما يأتي من الكتاب ص 124. (3) صحيح مسلم باب صلاة المسافر وقصرها، وما يأتي من الكتاب ص 405 و412.

--- [13]

Page 12

Al-Naṣṣ waʾl-ijtihād | Usul