Naqd marātib al-ijmāʿ
نقد مراتب الإجماع
Publisher
دار ابن حزم
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٩هـ - ١٩٩٨م
Publisher Location
بيروت
Regions
•Syria
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
ـ[نقد مراتب الإجماع]ـ
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨هـ)
بعناية: حسن أحمد إسبر
الناشر: دار ابن حزم، بيروت
الطبعة: الأولى، ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الطبعة الورقية تحتوي على الكتابين: «مراتب الإجماع» لابن حزم و«نقد مراتب الإجماع» لابن تيمية، أما هذه النسخة الإلكترونية فهي لكتاب ابن تيمية فقط.
- في حاشية هذه النسخة الإلكترونية، تم عزو كلام ابن حزم لمكانه في كتاب «مراتب الإجماع» من طبعة دار الكتب العلمية (وهي ضمن كتب الشاملة)
- وفي الحاشية أيضا تعليقات على النص أعدها أحد الباحثين جزاه الله خيرا
Unknown page
هذا فصل فيما ذكره الحافظ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية في الكلام على الإجماعات، ومن جملتها الكلام على ما ذكره الشيخ الإمام أبو محمد بن حزم.
قال أبو محمد ابن حزم في كتابه المصنف في مسائل الإجماع:
أما بعد:
فإن الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية، يُرجع إليه، ويُفزع نحوه، ويُكفَّرُ من خالفه إذا قامت عليه الحجة بأنه إجماع
وإنا أملنا - بعون الله - أن نجمع المسائل التي صح فيها الإجماع، ونفردها من سائر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين العلماء (١) ... إلى أن قال:
وقد أدخل قوم في الإجماع ما ليس فيه:
فقوم عدُّوا قول الأكثر إجماعا.
وقوم عدُّوا ما لا يعرفون فيه خلافا إجماعا، وإن لم يقطعوا على أنه لا خلاف فيه، فحكموا على أنه إجماع.
وقوم عدُّوا قول الصاحب المشهور المنتشر إذا لم يعلموا له من الصحابة مخالفا إجماعا.
وقوم عدُّوا اتفاق العصر الثاني على أحد القولين (٢) أو أكثر كانت للعصر الأول قبله إجماعا.
وكل هذه آراء فاسدة، ويكفي من فسادها أنهم يتركون في كثير من مسائلهم ما ذكروا أنه اجماع، وإنما نَحَوْا في تسمية ما وصفنا إجماعا عنادًا منهم وشغبًا عند اضطرار الحجة والبراهين لهم إلى ترك اختياراتهم الفاسدة.
(١) (ص:٧)
(٢) لعل الصواب: " قولين " منكّرة، كما هو في "مراتب الإجماع" طبعة دار الكتب العلمية، وطبعة دار ابن حزم (ص:٢٦)
1 / 285
قال: وأيضا، فإنهم لا يُكَفِّرون من خالفهم في هذه المعاني، ومِن شرط الإجماع الصحيح أن يكفر من خالفه بلا اختلاف من أحد من المسلمين في ذلك، فلو كان ما ذكروه إجماعا لَكُفِّرَ مخالفوهم، بل لَكُفِّروا هم؛ لأنهم يخالفونها كثيرا. (١)
قلت
أهل العلم والدين لا يعاندون، ولكن قد يعتقد أحدهم إجماعا ما ليس بإجماع، لكون الخلاف لم يبلغه، وقد يكون هناك إجماع لم يعلمه، فهم في الاستدلال بذلك كما هم في الاستدلال بالنصوص: تارة يكون هناك نص لم يبلغ أحدهم، وتارة يعتقد أحدهم وجود نص، ويكون ضعيفا أو منسوخا.
وأيضا فما وصفهم هو به قد اتصف هو به، فإنه يترك في بعض مسائله ما قد ذكر في هذا الكتاب أنه إجماع.
وكذلك ما ألزمهم إياه من تكفير المخالف غير لازم؛ فإن كثيرا من العلماء لا يكفرون مخالف الإجماع.
وقوله: " إن مخالف الإجماع يكفر بلا اختلاف من أحد المسلمين " هو من هذا الباب، فلعله لم يبلغه الخلاف في ذلك، مع أن الخلاف في ذلك مشهور مذكور في كتب متعددة، والنَّظَّامُ نفسه المخالف في كون الإجماع حجة لا يكفره ابن حزم والناس أيضا. فمن كفَّر مخالفَ الإجماع إنما يكفره إذا بلغه الإجماع المعلوم، وكثير من الإجماعات لم تبلغ كثيرا من الناس، وكثير من موارد النزاع بين المتأخرين يَدَّعي أحدهما الإجماع في ذلك، إما أنه ظني ليس بقطعي، وإما أنه لم يبلغ الآخر، وإما لاعتقاده انتفاء شروط الإجماع.
وأيضا: فقد تنازع الناس في كثير من الأنواع: هل هي إجماع يُحتج به؟ كالإجماع الإقراري، وإجماعِ الخلفاء الأربعة، وإجماعِ العصر الثاني على أحد القولين للعصر الأول، والإجماعِ الذي خالف فيه بعضُ أهله قبل انقراض عصرهم، فإنه مبني على انقراض العصر، بل هو شرط في الإجماع، وغيرِ ذلك.
فتنازعُهم في بعض الأنواع، هل هو من الإجماع الذي يجب اتباعهم فيه، كتنازعهم في بعض أنواع
(١) (ص:٩-١٠)
1 / 286
الخطاب، هل هو مما يحتج به، كالعموم المخصوص، ودليل الخطاب، والقياس، وغير ذلك. فهذا ونحوه مما يتبين به بعض أعذار العلماء.
قال أبو محمد بن حزم:
وقوم قالوا: الإجماع هو إجماع الصحابة ﵃ فقط
وقوم قالوا: إجماع كل عصر إجماع صحيح إذا لم يتقدم قبله في تلك المسألة خلاف، وهذا هو الصحيح؛ لإجماع العلماء عند التفصيل عليه، واحتجاجهم به، وترك ما أصَّلوه له ... إلى أن قال:
وصفة الإجماع هو ما تُيُقن أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام، ونعلم ذلك من حيث علمنا الأخبارَ التي لا يتخالج فيها شك، مثل أن المسلمين خرجوا من الحجاز إلى اليمن (١) ففتحوا العراق وخراسان ومصر والشام، وأن بني أمية ملكوا دهرا، ثم ملك بنو العباس، وأنه كانت وقعة صفين والحرة، وسائر ذلك مما يُعلم بيقينٍ وضرورةٍ. (٢)
وقال:
إنما ندخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا مخالف فيه البتة، الذي يُعلم كما يُعلم أن صلاة الصبح في الأمن والخوف ركعتان، وأن شهر رمضان هو الذي بين شوال وشعبان، وأن هذا الذي في المصاحف هو الذي أتى به محمد ﷺ وأخبر أنه وحي من الله إليه، وأن في خمسٍ من الابل شاةً، ونحو ذلك، وهي ضرورة تقع في نفس الباحث عن الخبر المشرف على وجوه نقله - إذا تتبعها المرء في نفسه في كل ما جرَّبه من أحوال دنياه - وَجَدَهُ ثابتا مستقرا في نفسه. (٣)
وقال أيضا في آخر كتابه - كتاب الإجماع -:
هذا كل ما كتبنا، فهو يقين لا شك فيه، مُتَيَقَّنٌ لا يَحِلُّ لِأَحدٍ خلافُه البتة. (٤)
قلت
فقد اشترط في الإجماع ما يشترطه كثير من أهل الكلام والفقه كما تقدم:
وهو العلم بنفي الخلاف، وأن يكون العلم بالإجماع تواترا.
وجعل العلم بالإجماع من العلوم الضرورية، كالعلم بعلوم الأخبار المتواترة عند الأكثرين.
ومعلوم أن كثيرا من الإجماعات
(١) لعل الصواب (واليمن) بالواو كما جاء في كتاب ابن حزم، وليس (إلى اليمن)
(٢) ص: (١١-١٢)
(٣) ص: (١٧)
(٤) لم أقف على هذه الجملة لا في طبعة كتاب "مراتب الإجماع" لدار ابن حزم، ولا طبعة دار الكتب العلمية.
1 / 287
التي حكاها ليست قريبةً من هذا الوصف، فضلا عن أن تكون منه، فكيف وفيها ما فيه خلاف معروف! وفيها ما هو نفسه ينكر الإجماع فيه ويختار خلافَه من غير ظهورِ مخالف!.
وقد قال:
إنما نعني بقولنا العلماء من حُفظ عنه الفتيا (١)
وقال:
وأجمعوا أنه لا يجوز التوضؤ بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماء والنبيذ (٢)
قلت
وقد ذكر العلماء عن ابن أبي ليلى - وهو مِن أَجَلِّ من يحكي ابنُ حزمٍ قولَه - أنه يجزئ الوضوء بالمعتصَر، كماء الورد ونحوه، كما ذكروا ذلك عن الأصَمِّ، لكنَّ الأصَمَّ ليس مِمَّن يَعُدُّه ابنُ حزمٍ في الإجماع.
وقال:
وأما الماء الجاري فاتفقوا على جواز استعماله ما لم تظهر فيه نجاسة (٣)
قلت
الشافعي في الجديد من قوليه، وأحد القولين في مذهب أحمد: أن الجاري كالراكد في اعتبار القلتين، فينجس ما دون القلتين بوقوع النجاسة فيه، وإن لم تظهر فيه.
وقال:
واتفقوا على أن غسلَ الذراعين إلى منتهى المرفقين فرضٌ في الوضوء (٤)
قلت
وزفر يخالف في وجوب غسل المرفقين، وحُكي ذلك عن داود وبعضِ المالكية، اللهم إلا أن يعني بمنتهى المرفقين منتهاهما من جهة الكف.
قال:
واتفقوا على أن الاستنجاء بالحجارة وبكل طاهر - ما لم يكن طعاما أو رجيعا أو نجسا أو جلدا أو عظما أو فحما أو حممة - جائز (٥)
قلت
في جواز الاستجمار بغير الأحجار قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا يجزئ إلا بالحجر، وهي اختيار أبي
(١) ص: (١٢)
(٢) ص: (١٧)
(٣) ص: (١٧)
(٤) ص: (١٨)
(٥) ص: (٢٠)
1 / 288
بكر بن المنذر، وأبي بكر عبد العزيز.
قال:
واتفقوا أن كل إناء - ما لم يكن فضةً ولا ذهبًا ولا صفرًا ولا رصاصًا ولا نحاسًا ولا مغصوبًا ولا إناءَ كتابيٍّ ولا جلدَ ميتةٍ ولا جلدَ ما لا يُؤكلُ لحمُه وإن ذُكِّيَ - فإن الوضوءَ منه والأكلَ والشربَ جائزٌ كلُّ ذلك (١)
قلت:
الآنية الثمينة التي تكون أغلى من الذهب والفضة - كالياقوت ونحوه - فيها قولان للشافعي. وفي مذهب مالك قولان.
قال:
وأجمعوا أن الحائض - وإن رأت الطهر - ما لم تغسل فرجها أو تتوضأ فوطؤُها حرام (٢)
قلت:
أبو حنيفة يقول: إذا انقطع دمها لأكثرِ الحيض، أو مرَّ عليها وقت صلاةٍ جازَ وطؤُها وإن لم تغتسل ولم تتوضأ ولم تغسل فرجها.
قال:
واتفقوا أن الصلاة لا تسقط، ولا يحل تأخيرها عمدا عن وقتها، عن العاقل البالغ بعذر أصلا، وأنها تُؤَدَّى على قدرِ طاقة المرء من جلوسٍ واضطجاعٍ بإيماء، وكيف أمكنه (٣)
قلت:
النزاع معروف في صور:
منها: حال المسايفة: فأبو حنيفة يوجب التأخير، وأحمد في إحدى الروايتين يجوزه. ومنها: المحبوس في مصر.
ومنها: عادم الماء والتراب: فمذهب أبي حنيفة، وأحدُ القولين في مذهب مالك أنه لا يصلي، رواه مَعنٌ عن مالك، وهو قول أصبغ، وحكي ذلك قولا للشافعي، ورواية عن أحمد.
وهؤلاء في الإعادة لهم قولان، هما روايتان في مذهب مالك وأحمد، والقضاء قول أبي حنيفة.
(١) ص: (٢٣)
(٢) ص: (٢٤)
(٣) ص: (٢٥)
1 / 289
قال:
واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتهم فاسدة بالإجماع
قال:
وروي عن أشهب أن من ائتم بامرأة وهو لا يدري حتى خرج الوقت ثم علم فصلاتُه تامةٌ، وكذا من ائتم بكافر وهو لا يعلم أنه كافر (١)
قلت:
ائتمام الرجال الأميين بالمرأة القارئة في قيام رمضان يجوز في المشهور عن أحمد، وفي سائر التطوع روايتان.
قال:
واتفقوا على أن وضعَ الرأس في الأرض والرجلين في السجود فرضٌ (٢)
قلت:
المنقول عن أبي حنيفة: أنه لا يجب السجود إلا على الوجه، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد. ويقتضي هذا أنه لو سجد على يديه ووجهه وركبتيه أجزأه.
قال:
واتفقوا على أن الفكرة في أمور الدنيا لا تفسد الصلاة (٣)
قلت:
إذا كانت هي الأغلب ففيها نزاعٌ معروف، والبطلان اختيار أبي عبد الله بن حامد، وأبي حامد الغزالي.
قال:
واتفقوا على جواز الصلاة في كل مكان ما لم يكن جوف الكعبة، أو الحجر، أو ظهر الكعبة، أو معاطن الإبل، أو مكانا فيه نجاسة، أو حماما، أو مقبرة، أو إلى قبر، أو عليه، أو مكانا مغصوبا يقدر على مفارقته، أو مكانا يستهزأ فيه بالإسلام، أو مسجد الضرار، أو بلاد ثمود لمن لم يدخلها باكيا. (٤)
قلت:
الصلاة في المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق لا تصح في المشهور عند كثير من أصحاب أحمد، بل أكثرهم.
والصلاة في الحش كذلك عند جمهورهم، وإن صلى في مكان طاهر منه.
(١) ص: (٢٧)
(٢) ص: (٣٠) بالمعنى
(٣) ص: (٢٩)
(٤) ص: (٢٩)
1 / 290
قال:
واتفقوا على أن صلاة العيدين، وكسوف الشمس، وقيام ليالي رمضان، ليست فرضا، وكذلك التهجد على غير النبي ﷺ (١)
قلت:
العيدان فرضٌ على الكفاية في ظاهر مذهب أحمد، وحكي عن أبي حنيفة: أنهما واجبان على الأعيان، وعن عبيدة السلماني: أنَّ قيامَ الليل واجبٌ كحلبِ شاةٍ، وهو قولٌ في مذهب أحمد.
قال:
واتفقوا أن كل صلاة - ما عدا الصلوات الخمس، وعدا الجنائز، والوتر، وما نذره المرء - ليست فرضا (٢)
قلت:
في وجوب ركعتي الطواف نزاعٌ معروف، وقد ذُكر في وجوب المُعادَةِ مع إمام الحي وركعتي الفجر والكسوف.
قال:
واتفقوا أن من أسقط الجلسة الوسطى من صلاة الظهر والعصر والمغرب والعتمة ساهيا أن عليه سجدتي السهو (٣)
قلت:
الشافعي لا يوجب سجود السهو.
قال:
واتفقوا أن في مائتي درهمٍ خمسةُ دراهم، ما لم يكن حليَّ امرأةٍ، أو حليةَ سيف، أو منطقةً، أو مصحفًا، أو خاتمًا (٤)
قلت:
النزاع في كل حلي مباح، أو حلي الخوذة، والران، وحمائل السيف، كالمنطقة في مذهب أحمد وغيره.
والذهبُ اليسيرُ المتصل بالثوب - كالطراز الذي لا يتجاوز أربعة أصابع - مباحٌ في إحدى الروايتين عنه.
وحلية السلاح كله كحلية السيف في إحدى الروايتين عنه.
وللعلماء نزاع في غير ذلك من الحلية.
قال:
واتفقوا على أن وقت الوقوف ليس قبل الظهر في التاسع من ذي الحجة (٥)
قلت:
أحد القولين، بل أشهرهما في مذهب أحمد: أنه يجزئ
(١) ص: (٣٢)
(٢) ص: (٣٢)
(٣) ص: (٣٣)
(٤) ص: (٣٤)
(٥) ص: (٤٢)
1 / 291
الوقوف قبل الزوال، وإن أفاض قبل الزوال، لكن عليه دم، كما لو أفاض قبل الغروب.
وقال بعد أن ذكر من محظورات الإحرام اللباس والطيب والتغطية:
واتفقوا أنه من فعل - مِن كُلِّ ما ذكرنا أنه يجتنبه في إحرامه - شيئا عامدا أو ناسيا أنه لا يَبطُلُ حَجُّهُ ولا إحرامه.
واتفقوا أن من جادل في الحج فإن حجَّه لا يبطل ولا إحرامه.
واختلفوا فيمن قتل صيدا متعمدا، فقال مجاهد: بطل حجه وعليه الهدي (١)
قلت:
وقد اختار في كتابه ضد هذا، وأنكر على من ادعى هذا الإجماع الذي حكاه هنا، فقال: الجدال بالباطل وفي الباطل عمدا ذاكرا لإحرامه مُبطِلٌ لإحرامه والحج، بقوله تعالى: (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (٢)
وقال: كل فسوق تعمَّده المحرم ذاكرا فقد أبطل إحرامه وحجه وعمرته لقوله تعالى:
(فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ) .
قال: ومن عجائب الدنيا أن الآية وردت كما تلونا، فأبطلوا الحج بالرفث، ولم يبطلوه بالفسوق.
وقال: كل من تعمَّدَ معصية - أيَّ معصية كانت - وهو ذاكر لحجه منذ يحرم إلى أن يُتِمَّ طوافَه بالبيت للإفاضة ورميَ جمرةِ العقبة فقد بطلَ حجه.
قال: وأعجب شيء دعواهم الإجماع على هذا.
قلت:
الإجماع فيه أظهر منه في كثير مما ذكره في كتابه.
قال:
واتفقوا أن كل صدقة واجبة في الحج أو إطعام، أنه إن أداه بمكة أجزأه، واختلفوا فيمن أدى ذلك في غير مكة - حاشا جزاء الصيد - فإنهم اتفقوا أنه لا يجزئ إلا بمكة (٣)
قلت:
مذهب أبي حنيفة ومالك أنه يجزئ الإطعام في جزاء الصيد في غير مكة. وكذلك عندهم تفرقة اللحم تجزئ في غير الحرم، وإنما الواجب في الحرم عندهما إراقة الدم، بخلاف الشافعي وأحمد ومن وافقهما، فإنما أوجبوا ذبحه في الحرم، وأوجبوا تفرقته
(١) ص: (٤٣)
(٢) البقرة/١٩٧
(٣) ص: (٤٥)
1 / 292
في الحرم. وكذلك الصدقة تقوم مقام ذلك.
قال:
واتفقوا أن مِن يومِ النحر - وهو العاشر من ذي الحجة - إلى انسلاخ ذي الحجة وقتًا لطواف الإفاضة، ولِما بقي من سنن الحج (١)
قلت:
إن أخَّره عن أيام منًى جاز في مذهب الشافعي وأحمد والليث والأوزاعي وأبي يوسف وغيرهم، وهكذا نقل عن مالك.
وقال أبو حنيفة وزفر والثوري في رواية: إن أخَّره إلى ثالثِ أيام التشريق لزمه دم، وهو قولٌ مخرَّجٌ في مذهب أحمد.
وإن أخَّره إلى المحرَّم فلا شيء عليه إلا عند مالك، فإنه عليه دم، ولفظُ " الُمدَوَّنة ": إذا جاوز أيام منًى وتطاول ذلك لزمه. ولم يوقت فيه.
أما رمي الجمار فلا يجوز بعد أيام التشريق، لا نزاع نعلمه، بل على من تركها دم، ولا يجزئ رميُها بعد ذلك.
قال:
واتفقوا على أن إيجاب الهدي فرضٌ على المحصر (٢)
قلت:
قد نقل غيرُ واحد عن مالك أنه لا يجب الهدي على المحصر، وهو المشهور من مذهب مالك.
قال:
واتفقوا على أن من حلف لخصمه دون أن يُحَلِّفَه حاكمٌ أو مَن حَكَّمَاه على أنفسهما أنَّه لا يبرأ بتلك اليمين من الطلب (٣)
قلت:
قد نص أحمد على أنه إذا رضي بيمين خصمه فحلف له لم يكن له مطالبته باليمين بعد ذلك.
قال:
وأجمعوا على أن كلّ من لزمه حق في ماله أو ذمته لأحد فُرض عليه أداءُ الحق إلى من هو له عليه - إذا أمكنه ذلك وبقي له بعد ذلك ما يعيش به أياما هو ومن تلزمه نفقته (٤)
قلت:
مذهب أحمد أنه يترك له من ماله ما تدعو إليه الحاجة من مسكن وخادم وثياب، وكذلك قال إسحاق.
فظاهر مذهب أحمد أيضا أنه إذا لم تكن له صنعةٌ يترك له ما يتَّجر به لقوته وقوت
(١) ص: (٤٥)
(٢) ص: (٤٦)
(٣) ص: (٥٤)
(٤) ص: (٥٨)
1 / 293