الذات: والمحسوسات كلها تتأدى صورها إلى آلات الحس وتنطبع فيها فتدركها القوة الحاسة وهذا اللمس والذوق والشم كالظاهر وأما البصر فقد ظن به خلاف هذا فإن قوما ظنوا أن البصر قد يخرج منه شيء فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من خارج ويكون ذلك أبصارا وفي أكثر الأمر يسمون ذلك الخارج شعاعا وأما المحققون فيقولون أن البصر إذا كان بينه وبين المبصر شفاف بالفعل وهو جسم لا لون له متوسط بينه وبين البصر تأدى شبح ذلك الجسم ذى اللون الواقع عليه الضوء إلى الحدقة فأدركه البصر - وهذا التأدي شبيه بتأدي الألوان بتوسط الضوء إذا انعكس الضوء من شيء ذى لون فيصبغ بلونه جسما آخر وإن كان بينهما فرق بل هو أشبه بما يتخيل في المرآة ومما يدل على بطلان الرأي الأول أن ذلك الخارج إما أن يكون جسما أو لا يكون جسما فإن لم يكن جسما فالحكم بالحركة والانتقال عليه باطل إلا على المجاز بأن يكون في البصر قوة تحيل ما يلاقيه من الهواء وغيره إلى كيفية ما فيقال أن تلك الكيفية خرجت من البصر ومحال أن يكون جسما وذلك لأنه إما أن يخرج واتصاله ثابت فيلاقي كرة الثوابت فيكون قد خرج من البصر في صغره جسم مخروط وعظمه هذا العظم ويكون مع ذلك قد ضغط الهواء ودفعه والأفلاك كلها ودفعها أو نفذ في خلاء وكلا الوجهين ظاهر البطلان أو يكون قد انفصل وتشظى وتفرق فيجب من ذلك أن يكون الحيوان يحس بشيء منفصل عنه متشظي متفرق وأن يحس بالمواضع التي يقع عليها ذاك الشعاع دون ما لا يقع فيحس من الجسم بتفاريق نقطية ويفوته الغالب منه وإما أن يكون هذا الجسم يتصل ويحد بالهواء والفلك حتى تصير الجملة كعضو واحد للحيوان فتكون جملة ذلك حساسا وهذه الاحالة أيضا عجيبة ويجب إذا تزاحمت الأبصار أن تكون هذه الاحالة أقوى فيكون الواحد إذا اجتمع مع الجماعة أشد ابصارا منه إذا كان وحده فإن الكثير أشد إحالة من المنفرد بذاته ثم هذا الجسم الخارج لا محالة إما أن يكون بسيطا وإما أن يكون مركبا وعلى مزاج خاص وحركته لا تخلو إما أن تكون بالإرادة أو تكون بالطبيعة ونحن نعلم أن ذلك ليس بحركة إرادية إختيارية وإن كان فتح الأجفان وغلقها إرادتين فبقي أن يكون طبيعيا والطبيعي البسيط يكون إلى جهة لا إلى جهات شتى والمركب يتحرك بحسب الغالب إلى جهة واحدة لا إلى جهات شتى وليس كذلك حال هذه الحركة عندهم ثم إن كان المحسوس يرى من جهة القاعدة المماسة من المخروط لا من جهة الزاوية فيجب أن يكون المحسوس البعيد يحس شكله وعظمه كما يحس لونه إذا كان الحاس يلاقيه ويشتمل عليه - وأما
Page 133