Rasāʾil al-jāḥiẓ
رسائل الجاحظ
Editor
عبد السلام محمد هارون
Publisher
مكتبة الخانجي، القاهرة
Publication Year
1384 ه - 1964 م
الرسالة السادسة رسالة في نفي التشبيه
Page 279
إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود
بسم الله الرحمن الرحيم
أطال الله بقاءك وحفظك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك.
قد عرفت - أكرمك الله - ما كان الناس فيه من القول بالتشبيه والتعاون عليه والمعاداة فيه، وما كان في ذلك من الإثم الكبير والفرية الفاحشة، وما كان لأهله من الجماعات الكثيرة والقوة الظاهرة، والسلطان المكين، مع تقليد العوام وميل السفلة والطغام.
وليست للخاصة قوة بالعامة، ولا للعيلة قوة على الأراذل؛ فقد قالت الأوائل فيهم، وفي الاستعاذة بالله منهم:
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا لم يملكوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا.
وقال واصل بن عطاء: " ما اجتمعوا إلا ضروا، ولا تفرقوا إلا نفعوا " فقيل له: قد عرفنا مضرة الاجتماع، فما منفعة الافتراق؟ قال: يرجع الطيان إلى تطيينه، والحائك إلى حياكته، والملاح إلى ملاحته، والصائغ إلى صياغته، وكل إنسان إلى صناعته. وكل ذلك مرفق للمسلمين، ومعونة للمحتاجين.
وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذا نظر إلى الطغام والحشو قال: " قبح الله هذه الوجوه، لا تعرف إلا عند الشر ".
Page 283
وقال الخريمي عند ذكره إياهم، في شعره، بالتعاوي مع المخلوع:
من البواري تراسها ومن ال
خوص إذا استلأمت مغافرها
لا الرزق تبغي ولا العطاء ولا
يحشرها بالفناء حاشرها
وقال شبيب بن شبيبة: قاربوا هذه السفلة وباعدوها، وكونوا معها وفارقوها، واعلموا أن الغلبة لمن كانت معه، وأن المقهور من صارت عليه.
وقد وصفهم بعض العلماء فقال: يجتمعون من حيث يفترقون، ويفترقون من حيث يجتمعون، لا يفل غربهم إذا صالوا، ولا تنجع فيهم الحيلة إذا هاجموا.
Page 284
والعوام - أبقاك الله - إذا كانت نشرا فأمرها أيسر، ومدة هيجها أقصر. فإذا كان لها رئيس حاذق ومطاع مدبر، وإمام مقلد، فعند ذلك ينقطع الطمع، ويموت الحق ويقتل المحق. فلولا أن لهم متكلمين، وقصاصا متفقهين، وقوما قد باينوهم في المعرفة بعض المباينة، لم يلحقوا بالخاصة، ولا بأهل المعرفة التامة. ولكنا كما نخالفهم نرجوهم، وكما نشفق منهم نطمع فيهم.
ثم قد علمت ما كنا فيه من إسقاط شهادات الموحدين وإخافة علماء المتكلمين. ولولا الكلام لم يقم لله دين، ولم نبن من الملحدين، ولم يكن بين الباطل والحق فرق، ولا بين النبي والمتنبي فصل، ولا بانت الحجة من الحيلة، والدليل من الشبهة.
ثم لصناعة الكلام مع ذلك فضيلة على كل صناعة، ومزية على كل أدب. ولذلك جعلوا الكلام عيارا على كل نظر، وزماما على كل قياس. وإنما جعلوا له الأمور وخصوه بالفضيلة لحاجة كل عالم إليه، وعدم استغنائه عنه.
Page 285
فلم يزل - أكرمك الله - كذلك حتى وضع الله من عزهم، ونقص من قوتهم. وليس لأمر الله مرد، ولا لقضائه مدفع. وحتى تحول إلينا رجال من قادتهم ومن أعلامهم، والمطاعين فيهم، وارتاب قوم ونافق آخرون. وحتى تحولت المحنة عليهم، والتقية فيهم. وذلك كله على يد شيخك وشيخنا بعدك - أعزه الله - بما بذل من جهده، وعرض من نفسه، وتفرد بمكروهه، وغرغر مراره، صابرا على جسيمه؛ يرى الكثير في ذلك قليلا، والإغراق تقصيرا، وبذل النفس يسيرا. على حين خار كل بطل، وحاد كل مقدم، وعرد كل رئيس، وأضاف كل مستبصر، وطاح كل نفاج، واستخفى كل مراء. وحتى صاروا هم الذين يشيرون عليه بالملاينة، ويحسنون عنده المقاربة، ويخوفونه العاقبة، ويزعمون أن لكل زمان تدبيرا ومصلحة، وأن إبعادهم أتقر لطبائعهم، وإن إطلاقها أنجع فيما يراد منهم. وحتى سموا المداهنة مداراة، وإعطاء الرضا تقية، والشدة عند الفرصة خرقا، والانحياز مع صواب الإقدام رفقا، وموالاة المخالف مخالفة، والمصافاة معاشرة، والمهانة حلما، والضعف في الدين احتمالا. كما سمى قوم الفرار انحيازا، والبخل اقتصادا، والجائر مستقصيا، والبلاء عارضا، والخطل بلاغة. فكذلك كانوا وكان. وعلى هذا افترق أمرهم؛ وذلك مشهور عنهم.
Page 286
ثم يصول أحدهم على من شتمه، ويسالم من شتم ربه، ويغضب على من شبه أباه بعبده، ولا يغضب على من شبه الله بخلقه، ويزعم أن في أحاديث المشبهة تأويلا ومجازا ومخارج، وأنها حق وصدق. فإذا قيس ...... طلب لهذا المجاز ظلم، وقال ما يليق بلفظ الحديث، فيكون بشهادته لصحة أحاديثهم مقرا، فيصير فيما يدعي من خلاف تأويلهم مدعيا. ولو كانت هذه الأحاديث كلها حقا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم: " سيفشو الكذب بعدي، فما جاءكم من الحديث فاعرضوه على كتاب الله " باطلا.
وهذا المذهب لمن ينتحل طريقتنا، زعمه سبيلنا، جور شديد، ومذاهب قبيحة، وتقرب فاحش.
وليس ينبغي لديان أن يواد من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.
فمتى إذن تزول التقية، ويجب إظهار الحق والنصرة للدين، والمباينة للمخالفين؟! أحين يموت الخصم ويبيد أثره ويهلك عقبه ويقل ناصره، ويزول جميع الخوف ويكون على يقين من السلامة. وكيف يكون القائم حينئذ بالحق مطيعا، ولله معظما؟!
فقد سقطت المحنة وزالت البلوى والمشقة. وهل المعصية إلا ما مازجه الهوى والشهوة، وهل الطاعة إلا ما شابه المكروه والكلفة، وكيف يتكلف مالا مؤونة فيه، وكيف يحمد مالا مرزئة عليه. وكيف يكون شجاعا من أقدم في الأمن، وتكمن في الخوف. أو ليست النار محفوفة بالشهوات، أو ليست الجنة محفوفة بالمكاره. وكيف صاروا في باطلهم أيام قدرتهم أقوى منا في حقنا أيام قدرتنا.
Page 287
وقد علمت - أرشد الله أمرك - أن التشبيه وإن كان أهله مقموعين ومهانين وممتحنين، فإن عدد الجماجم على حاله، وضمير أكثرهم على ما كان عليه، والذين ماتوا قليل من كثير. ونحن لا ننتفع بالمنافق، ولا نستعين بالمرتاب، ولا نثق بالجانح، وإن كانت المبادأة قد نقصت فإن القلوب أفسد ما كانت.
وقد كانوا يتكلمون على السلطان والقدرة، وعلى العدد والثروة، وعلى طاعة الرعاع والسفلة؛ فقد صاروا اليوم إلى المنازعة أميل، وبها أكلف؛ لأنهم حينما يئسوا من القهر بالحشوة والسفلة، وبالباعة، وبالولاة الفسقة، وقلوبهم ممتلئة ونفوسهم هائجة. ولا بد لمن كانت هذه صفته، وهذا نعته، من أن يستعمل الحيلة والحجة، إذ أعجزه البطش والصولة. وكل من كان غيظه يفضل عن حلمه، وحاجته تفضل عن قناعته، فواجب أن ينكشف قناعه، ويظهر سره، ويبدو مكنونه.
وقد أطمعني فيهم مناظرتهم لنا، ومقايستهم لأصحابنا. وقد صاروا بعد السب يحفون، وبعد تحريم الكلام يجالسون، وبعد التصام يستمعون، وبعد التجليح يدارون؛ والعامة لا تفطن لتأويل كفها، ولا تعرف مقاربتها. فقد مالت إلينا على قدر ما ظهر من ميلها، وأصغت لما ترى من استماعها.
Page 288
وقد كتبت - مد الله في عمرك - في الرد على المشبهة كتابا لا يرتفع عنه الحاذق المستغني، ولا يرتفع عن الريض المبتدئ. وأكثر ما يعتمد عليه العامة ودهماء أهل التشبيه من هذه الأمور ويشتمل عليه الفضل من حشوة الناس، ويختدع به المحدثون من الجمهور الأعظم، تحريف آي كثيرة إلى غير تأويلها، وروايات كثيرة إلى غير معانيها. وقد بينت ذلك بالوجوه القريبة، والدلالات المختصرة، وبالأشعار الصحيحة والأمثال السائرة، واستشهدت الكلام المعروف، والقياس على الموجود.
وهو مع ذلك كله كتاب قصد، ومقدار عدل، لم يفضل عن الحاجة، ولم يقصر عن مقدار البغية. على أن الكلام لا ينبغي أن يكثر وإن كان حسنا كله، إذا كان السامع لا ينشط له، وجاز قدر احتماله؛ لأن غاية المتكلم انتفاع المستمع. وقد قال الأولون: " قليل الموعظة مع نشاط الموعوظ، خير من كثير وافق من الأسماع نبوة، ومن القلوب ملالة ".
وقال بكر بن عبد الله المزني: ليس الواعظ من جهل أقدار السامعين، وإنابة المرتدين، وملالة المستطرفين.
وقال علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه: " إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرف الحكمة ".
Page 289
وقد كان يقال: إن للقلوب شهوة وإقبالا، وفترة وإدبارا؛ فأتوها من حيث شهوتها وإقبالها.
وكان يقال: إذا أكره القلب عمي.
وقال واصل بن عطاء: طول التحديق يكل الناظر، وناظر القلب أضعف منه.
وزعم عمران بن حدير قال: قال قسامة بن زهير: روحوا هذه القلوب تع الذكر.
وقال عبد الملك بن قريب: قال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهة أن أحمل عليها من الحق فأكلها.
وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهما، وهو بالقادسية: أن جنبهم حديث الجاهلية؛ فإنه يذكر الأحقاد. وعظهم بأيام الله ما نشطوا لاستماعها.
وقالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة.
ولذلك أمروا بالجمام وزيارة الغب.
Page 290
ورووا أن شر السير الحقحقة.
ولأن ينقص الكتاب عن مقدار الحاجة أحب إلي من أن يفضل عن مقدار القوة؛ لأن الملالة تبغض في الجميع، وتزهد في الكل.
فأنا أسألك - أكرمك الله - أن ترى هذا الكتاب وتقرأ ما خف عليك منه. فإن يصلح الكلام وكان كما وصفت وكما ضمنت، حثثت على قراءته وعلى اتخاذه، وعلى تخليده وعلى تدوينه، وأمرت من يحتاج إلى المادة، وإلى حسن المعونة من الموافقين والإخوان الصالحين، أن ينظروا فيه، وأن يبثوه ويشيعوه.
وقد كنت أنا على ذلك قادرا، وبه مستوصيا؛ ولكن الرجل الرفيع إذا رفع الشيء ارتفع، كما أنه إذا وضع الشيء اتضع.
وإن كنت فيه غلقا أو لعلته مستكثرا، كان لك بحسن نيتك وصلاح مذهبك، والذي رجوت عنده من المنفعة وصلاح قلوب العامة، الأجر الكبير، والثواب العظيم، مع ما تقضي بذلك من ذمام المتحرم بك، والمتحلي من بيتك؛ ومع اليد البيضاء والصنيع المشكور.
Page 291