فتهذب بهم واقتبس من نور هديهم ومشى على سننهم، واستفاد منهم مالا يستفيده غيره في القراءة زمنا طويلا، وله ذكاء وذهن وقاد وفكرة حسنة، وأدب غض وحفظ باهر، لنفائس الأشعار، وغرائب الأخبار، ومتفقات أبناء الزمان، وحوادث السنين، مع حسن خلق ولطف كالنسيم ورقة طبع وشرف نفس، وعلو همة، ونقادة كاملة ومعرفة بالحقائق وبأحوال الناس، وصناعة لإيراد الأخبار والمفاكهات الحلوة والظريفة، وتقلد القضاء بكوكبان أعواما ففصل الخصومات، وباشره مباشرة حسنة ثم تكدر خاطره لأسباب يسيرة، لكنه مع بعد همته لم يطب له البقاء هنالك، فرحل إلى صنعاء ولازم شيخنا البرهان، واتصل بقاضي القضاة بدر الدين الشوكاني، فسعى له عند الإمام المنصور بن المهدي بتقليده القضاء بصنعاء، فجعله من حكام الديوان الإمامي في سنة ست عشرة ومائتين وألف، وهو إلى الآن على حاله الجميل حسنة من محاسن صنعاء، وشامة على جبين الأعوام، وبدر يهتدى بنور أدبه في الظلم، ولقد سمح الزمان بطول الاجتماع به والتملي بآدابه، وما كانت رحلته إلا من النعم الجسيمة على فضلاء صنعاء، ومصائب قوم عند قوم فوائد، فإنه كان زينة في الزمان والمحل، معدود في المشكلات من أهل العقد والحل، فيصلا في الخصومات، أديبا في المحاضرات، فمثله فلتنافس فيه الدول، وعلى مثله فلينبغي أن يعول، وشعره في الذروة العليا من البلاغة والإجادة.
فمن شعره ما كتبه إلى الوزير العلامة شرف الإسلام الحسن بن علي حنش، لما قدم إلى صنعاء:
إلى حسن يا نوق سيرك فاعلمي ... وأمي أبا العلياء بنيات شدقم
إلى مطمح الآمال مجتمع المنى ... نهاية قصد الطالب المتوسم
إلى القمر الجالي دجا الخطب نوره ... إلى المطر الساقي محلة من ضمي
فإن تعلمي فضل المسير فإنما ... إلى البحر نمشي أو إلى الشمس نرتمي
فجدي على اسم الله خطوك للعلا ... مصاحبة بالطائر المترنم
إلى أن ترينا السعد دان قطوفه ... إليك ووجه الدهر مبتسم الفم
Page 258