641

فاجتنيت من جناء ثمرها ما طاب، ولم أسلك بها جميع الشعاب، على أني أو كنت أبا زيدها لظفرت حبائلي بأبي صيدها، ولو رفضت الحجا والوقار، لبعت بسوقها جميع الأحرار، لكني رميت بنفسي في زوايا الخمول ورضيت من الغنيمة بالقفول، خلا أني رأيت بها قصة عجيبة وقضية غريبة، ولم أزل منذ رأيتها سابحا في بحر العجب، ومتحيرا في غياهبها، ولم أتحير إلا عن سبب، وهي أن بعض من بها من الأعلام الذين يأخذ عنهم دقائق الأحكام أنكر قراءة أم القرآن قبل الصلاة، زاعما أنها من البدع، التي يجب على مثله في مثلها الانتباه، وكان عادتهم إذا اجتمعوا للصلاة المكتوبة أن يطلب المؤذن منهم قراءتها، وكل عبادة مطلوبة، فأغرى هذا العالم المذكور أحد تلامذته وهو خطيبها المشهور، وواعظها الذي تلين لوعظه قلوب الصخور، بإنكار هذا الفعل المعتمد، فقام لذلك وقعد، وأبرق خلبه على المؤذن وأرعد، ولما حصل المنع والإنكار، ثارت العوام ولا ثورة التتار، وأغلقت في بعض الليالي أبواب الجامع، وأرادوا قتل ذلك المانع، ولما علم مرادهم أنسل من الجامع بخفية وأخذ بقولهم الفرار للموت رقية، ولم يأمن على نفسه الهلاك حتى قصد الوالي ليخلصه من تلك الشباك، ولم تزل تتقد بينهم نار الخصام، حتى رأوا أنه لا يطفئها إلا نظر الإمام، فرفعت إلى شريف المقام، بعد أن اجتمع العلماء مرارا وراموا الصلح بينهم بأن تقرأ خمس مرات جهارا وتترك خمسا ليرضى الخطيب ويأخذ الناس من الأجر بنصيب، وكانت تقرأ عشر مرات قبل سائر الصلوات، فلم يسعد المنكر بهذا الصلح الذي عين الفساد، بل أصر على ما فعل ولم يبادر إلى القيام، ثم جاء أمر الشريف بالبقاء على العادة، وأنها لا تترك هذه العبادة، وفي الوعد الذي حصل به هذا الواقع، ذهبت بصلاة الجمعة إلى الجامع، فلما انقضت الصلاة وقمنا لنبتغي من فضل الله قيل أن هنا درسا لبعض العلماء الأكابر على بعض أولاده الذين سكنوا في المقابر، فحضرت مع من حضر وقرأت من

Page 245