وقال النبي ﷺ في بعض خطبه: أيها الناس الأيام تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان في الثرى تبلى، وأن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد «١»، ويقربان كل بعيد، ويخلقان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات.
ولما لقي ميمون بن مهران الحسن البصري قال له: لقد كنت أحب أن ألقاك فعظني، فقرأ الحسن البصري:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
«٢» . أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ٢٠٥ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ٢٠٦ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ٢٠٧
«٣» . فقال: عليك السلام أبا سعيد لقد وعظتني أحسن موعظة.
ولما ضرب ابن ملجم لعنه الله عليا ﵁، دخل منزله فاعترته غشية ثم أفاق، فدعا الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وقال: أوصيكما بتقوى الله تعالى، والرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا، ولا تأسفا على شيء فاتكما منها، فإنكما عنها راحلان. افعلا الخير وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا، ثم دعا محمدا ولده «٤» وقال له:
أما سمعت ما أوصيت به أخويك، قال: بلى. قال: فإني أوصيك به، وعليك ببر أخويك وتوقيرهما، ومعرفة فضلهما، ولا تقطع أمرا دونهما، ثم أقبل عليهما وقال:
أوصيكما به خيرا، فإنه أخوكما وابن أبيكما وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبه، فأحباه، ثم قال: يا بني أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله في الشدة والرخاء، يا بني ما شرّ بعده الجنة بشر، ولا خير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية، يا بني من أبصر عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي بما قسم الله له لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب أخيه هتكت عورات بنيه، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوءاتهم، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه وقل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار، يا بني الأدب ميزان الرجل، وحسن الخلق خير قرين «٥»، يا بني العافية عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء، يا بني زينة الفقر الصبر، وزينة الغنى الشكر. يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية. يا بني الحرص مفتاح التعب ومطية النّصب.
ولما حضرت هشام بن عبد الملك الوفاة، نظر إلى أهله يبكون حوله فقال: جاد لكم هشام بالدنيا، وجدتم له بالبكاء، وترك لكم جميع ما جمع، وتركتم عليه ما حمل، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له.
وقال الأوزاعي للمنصور في بعض كلامه: يا أمير المؤمنين أما علمت أنه كان بيد رسول الله ﷺ جريدة يابسة يستاك بها «٦» ويردع بها المنافقين، فأتاه جبريل ﵇. فقال: يا محمد ما هذه الجريدة التي بيدك؟ اقذفها لا تمتلأ قلوبهم رعبا، فكيف بمن سفك دماء المسلمين، وانتهب أموالهم، يا أمير المؤمنين: إن المغفور له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدشة خدشها أعرابيا من غير تعمد. يا أمير المؤمنين: لو أن ذنوبا «٧» من النار صبّ، ووضع على الأرض لأحرقها، فكيف بمن يتجرعه، ولو أن ثوبا من النار وضع على الأرض لأحرقها، فكيف بمن يتقمصه «٨»، ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف بمن يتسلسل بها، ويرد فضلها على عاتقه.
وروى زياد عن مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
لما بعث أبو جعفر إلى مالك بن أنس وابن طاوس قال:
دخلنا عليه وهو جالس على فرش، وبين يديه أنطاع قد
1 / 90
الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك
الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك
الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب
الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك
الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه
الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته
الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك
الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم
الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت
الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة
الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
الباب الحادي والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء ﵃
الباب الثاني والثلاثون في ذكر الأشرار والفجار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة
الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم
الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه
الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته
الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه
الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم
الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها
الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني
الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها
الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامه والتوكل على الله ﷿
الباب التاسع والسبعون في التوبة والاستغفار
الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله