متى صحت صحّ البين وانقطع الرجا ... كأنّك من يوم الفراق على وعد
وأعرض بعضهم عن الغراب وتطير بالإبل، وسبب ذلك لكونها تحمل أثقال من ارتحل. وفي ذلك قال بعضهم مفردا أجاد:
زعموا بأن مطيّهم سبب النوى ... والمؤذنات بفرقة الأحباب
وقالوا: من تطير من شيء وقع فيه.
وحكي عن إبراهيم بن المهدي قال: أرسل إلى محمد بن زبيدة «١» في ليلة من ليالي الصيف مقمرة يقول:
يا عم إني مشتاق إليك فاحضر الآن عندنا، فجئته وقد بسط له على سطح زبيدة وعنده سليمان بن أبي جعفر وجاريته نعيم فقال لها: غنينا شيئا فقد سررت بعمومتي فغنت وهي تقول هذه الأبيات:
همو قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوما بكسرى مرازبه «٢»
بني هاشم كيف التواصل بيننا ... وجند أخيه سيفه ونجائبه
قال: فغضب وتطير وقال لها ما قصتك ويحك انتبهي وغني ما يسرني. فغنت تقول:
كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأكثر حزما منك ضرّج بالدم
فقال لها: ويحك ما هذا الغناء في هذه الليلة غنيّ غيره فغنت تقول هذه الأبيات:
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء
والله يا مولاي لم يجر على لساني غير هذا وما ظننت إلا أنك تحبه. ثم إنها قامت من بين يديه وكان بين يديه قدح بلور وكان أبوه يحبه فأصابه طرف ردائها فانكسر. قال إبراهيم بن المهدي: فالتفت إلي وقال: يا عمي أرى أن هذا آخر أمرنا، فقلت: كلا بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويسرك فسمعت هاتفا يقول: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
«٣» . فقال لي: أسمعت ما سمعت يا عم؟
فقلت: ما سمعت شيئا وما هذا إلا توهم فإذا الصوت قد علا فقال: يا عم إذهب إلى بيتك فمحال أن يكون بعد هذا اجتماع. قال: فانصرفت من عنده وكان هذا آخر عهدي به.
وخرج أبو الشمقمق مع خالد بن يزيد بن مزيد وقد تقلد الموصل، فلما أراد الدخول إليها اندق لواؤه في أول درب منها فتطير لذلك فأنشده أبو الشمقمق يقول:
ما كان مندّق اللواء لريبة ... تخشى ولا أمر يكون مبذّلا
لكنّ هذا الرمح ضعّف متنه ... صغر الولاية فاستقلّ الموصلا
فسر خالد وأمر لأبي الشمقمق بعشرة آلاف درهم.
ودخل الحجاج الكوفة متوجها إلى عبد الملك فصعد المنبر فانكسر تحت قدمه فعلم أنهم قد تطيروا له بذلك، فالتفت إلى الناس قبل أن يحمد الله تعالى فقال: شاهت الوجوه وتبت الأيدي وبؤتم بغضب من الله إذا انكسر عود جذع ضعيف تحت قدم أسد شديد تفاءلتم بالشؤم، وإني على أعداء الله تعالى لأنكد من الغراب الأبقع وأشأم من يوم نحس مستمر، وإني لأعجب من لوط وقوله: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
إليك «٤»، فأي ركن أشد من الله تعالى أو ما علمتم ما أنا عليه من التوجه إلى أمير المؤمنين وقد وليت عليكم أخي محمد بن يوسف وأمرته بخلاف ما أمر به رسول الله ﷺ معاذا في أهل اليمن فإنه أمره أن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وقد أمرته أن يسيء إلى محسنكم وأن لا يتجاوز عن مسيئكم، وأنا أعلم أنكم تقولون بعدي لا أحسن الله له الصحابة، وأنا معجل لكم الجواب لا أحسن الله عليكم الخلافة، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم.
وخرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد فأول من استقبله أعور فضربه وأمر بحبسه، ثم ذهب للصيد فاصطاد صيدا كثيرا فلمّا عاد استدعى بالأعور فأمر له بمال فقال: لا حاجة لي به ولكن ائذن لي في الكلام، فقال: تكلم، فقال: أيها الملك إنك تلقيتني فضربتني وحبستني وتلقيتك
1 / 336
الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك
الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك
الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب
الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك
الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه
الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته
الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك
الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم
الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت
الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة
الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
الباب الحادي والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء ﵃
الباب الثاني والثلاثون في ذكر الأشرار والفجار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة
الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم
الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه
الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته
الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه
الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم
الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها
الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني
الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها
الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامه والتوكل على الله ﷿
الباب التاسع والسبعون في التوبة والاستغفار
الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله