590

Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar

مروج الذهب ومعادن الجوهر

قال المسعودي: فمن أخبار أحمد بن المدبر المستحسنة مما دونها الناس في أخبار الطفيليين أن أحمد كان قليل الجلوس للمنادمة، وكان له سبعة ندماء لا يأنس بغيرهم، ولا ينبسط إلى سواهم، قد اصطفاهم لعشرته، وأخذهم لمنادمته، كل رجل منهم قد انفرد بنوع من العلم لا يساويه فيه غيره، وكان طفيلي يعرف بابن دراج من أكمل الناس أدبا، وأخفهم روحا، وأشدهم في كل مليحة افتنانا، فلم يزل يحتال إلى أن عرف وقت جلوس أحمد بن المدبر للندماء، فتزيا في زي ندمائه، ودخل في جملتهم، وظن حاجبه أن ذلك بعلم من صاحبه ومعرفة من أولئك الندماء، ولم ينكر شيئا من حاله، وخرج أحمد بن المدبر فنظر إليه بين القوم، فقال لحاجبه : اذهب إلى ذلك الرجل فقل له: ألك حاجة؟ فسقط في يد الحاجب وعلم أن الحيلة قد تمت عليه، وأن ابن المدبر لا يرضى في عقوبته إلا بقتله فمر وهو يجر برجليه، فقال له: الأستاذ يقول لك ألك حاجة. فقال: قل له لا، فقال له: ارجع إليه فقل له: ما جلوسك؟ فقال: الساعة جلسنا يا بغيض، فقال: ارجع إليه فقل له: أي شيء أنت. فقال: قل له طفيلي يرحمك الله، قال: إن الطفيلي يحتمل على دخوله بيوت الناس وإفساده عليهم ما يريدونه من الخلوة بندمائهم والخوض في أسرارهم لخصال: منها أن يكون لاعبا بالشطرنج أو بالنرد، أو ضاربا بالعود أو الطنبور، فقال: أيدك الله أنا أحسن هذه الأشياء كلها، قال: وفي أي وظيفة أنت منها؟ قال: في العليا من جميعها، قال لبعض ندمائه: لاعبه بالشطرنج فقال الطفيلي: أصلح الله الأستاذ فإن قمرت. قال: أخرجناك من ديارنا، قال: فإن قمرت؟ قال: أعطيناك ألف درهم، قال: فإن رأيت أيدك الله أن تحضر الألف درهم فإن في حضورها قوة للنقس وايقان بالظفر، فأحضرت فلعبا فغلب الطفيلي ومد يده ليأخذ الدراهم، فقال الحاجب لينفي عن نفسه بعض ما وقع فيه: أعزك الله إنه زعم أنه في الطبقة العليا، وابن فلان غلامك يغلبه، فأحضر الغلام، فغلب الطفيلي، فقال له: انصرف، فقال: أحضروا النرد، فأحضرت فلوعب فغلب، فقال الحاجب: ولا هذا يا سيدي في الطبقة العليا من النرد، ولكن بوابنا فلان يغلبه، فأحضر البواب، فغلب الطفيلي، فقال له: أخرج، فقال: يا سيدي فالعود، فأتى بالعود، فضرب فأصاب، وغنى فأطرب، فقال الحاجب: يا سيدي في جوارنا شيخ هاشمي يعلم القيان أحذق منه، فأحضر الشيخ فكان أطرب منه، فقال له: اخرج، فقال: فالطنبور، فأعطي طنبورا فضرب ضربا لم ير الناس أحسن منه، وغنى غناء في النهاية، فقال الحاجب: أعز الله الأستاذ، فلان المحتكر في أوارنا أحذق منه، فأحضر المحتكر فكان أحذق منه وأطيب، فقال له ابن المدبر: قد تقصينا لك بكل جهد فأبت حرفتك إلا طردك من منزلنا، فقال : يا سيدي بقيت معي بابة حسنة، قال: ما هي؟ قال: تأمر لي بقوس بندق مع خمسين بندقة رصاص، ويقام هذا الحاجب على أربع وأرميه في دبره بهن جميعا وإن أخطأت بواحدة منهن ضربت رقبتي، فضج الحاجب من ذلك، ووجد ابن المدبر في ذلك شفاء لنفسه وعقوبة ومكافأة له على ما فرط منه في إدخال الطفيلي إلى مجلسه، فأمر بإكافين فأحضرا وجعل أحدهما فوق الآخر وشد الحاجب فوقهما، وأمر بالقوس والبندق فدفع إلى الطفيلي، فرمى به فما أخطأه، وخلي عن الحاجب وهو يتأوه لما به، فقال له الطفيلي: أعلى باب الأستاذ من يحسن مثل هذا. فقال: يا قرنان ما دام البرجاس استي فلا!.

وللطفيليين أخبار حسان مثل خبر بنان الطفيلي مع المتوكل في اللوزينج، وما ابتدأ من العدد من الواحد إلى ما فوقه من القران، ولغيره منهم ما قد أتينا على ذكره في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، على الشرح والتمام والكمال، وإنما نورد في هذا الكتاب لمعا مما لم يتقدم له ذكر فيما سلف من كتبنا في هذا المعنى.

سيرة المهتدي

Page 119