Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
كلما جد البكاء به ... دبت الأسقام في بدنه ثم أغمى عليه طويلا، وإنا لجلوس حوله إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة، وجعل يغرد، ففتح الفتى عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر، ثم قال:
ولقد زاد الفؤاد شجى ... طائر يبكي على فننه
شفه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه
قال: ثم تنفس تنفسا فاضت نفسه منه، فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه، فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف.
وقد أخبرنا بهذا الخبز أبو إسحاق الزجاجي النحوي، عن أبي العباس المبرد، عن المازني، قال: حدثنا جماعة من أهل البصرة بما ذكرناه.
وكانت وفاة أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي سنة أربعين ومائتين.
نفى المتوكل علي بن الجهم
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين نفى المتوكل علي بن الجهم الشاعر إلى خراسان، وقيل: في سنة تسع وثلاثين ومائتين، وقد أتينا على خبره وما كان من أمره ورجوعه بعد ذلك إلى العراق، وخروجه يريد السفر، وذلك في سنة تسع وأربعين ومائتين، فلما صار بالقرب من حلب من بلاد قنسرين والعواصم بالموضع المعروف بخشبات لقيته خيل الكلبيين فقتلته، فقال في ذلك وهو في الشرق:
أزيد في الليل ليل ... أم سال بالصبح سيل؟
ذكرت أهل دجيل ... وأين مني دجيل؟
وكان علي بن الجهم السامي هذا - مع انحرافه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإظهاره التسنن مطبوعا مقتدرا على الشعر؛ عذب الألفاظ، غزير الكلام، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب طعم من طعن على نسبه، وما قال الناس في عقب لسامة بن لؤي بن غالب، وقول علي بن محمد بن جعفر العلوي الشاعر:
وسامة منا فأما بنوه ... فأمرهم عندنا مظلم
أناس أتونا بأنسابهم ... خرافة مضطجع يحلم
وقلت لهم مثل قول النبي ... وكل أقاويله محكم
إذا ما سئلت ولم تدر ما ... تقول فقل ربنا أعلم
وقول العلوي فيه أيضا:
لو اكتنفت النضر أو معدا ... أو اتخذت البيت كهفا مهدا
وزمزما شريعة ووردا ... والأخشبين محضرا ومبدار
ما ازددت إلا من قريش بعدا ... أو كنت إلا مصقليا وغد
وإنما أعدنا ذكر هذا الشعر في هذا الموضع - وإن كنا قد قدمنا فيه سلف من هذا الكتاب - لما سنح لنا من ذكر علي بن الجهم في أيام المتوكل، ولما احتجنا إليه عند ذكرنا لشعر علي بن الجهم وإجابته العلوي على هذا الشعر، فكان ما أجاب به علي الجهم لعلي بن محمد بن جعفر العلوي:
لم تذقني حلاوة الإنصاف ... وتعسفتني أشد اعتساف
وتركت الوفاء علما بما فيه وأسرفت غاية الإسراف
غير أني إذا رجعت إلى حق بني هاشم بن عبد مناف
لم أجدلي إلى التشفي سبيلا ... بقواف ولا بغير قواف
لي نفس تأبى الدنية والأشراف لا تعتمي على الأشرف
وله في الحبس شعر معروف لم يسبقه إلى معناه أحد، وهو قوله:
قالوا: حبست، فقلت: ليس بضائري ... حبسي، وأي مهند لا يغمد؟
أو ما رأيت الليث يألف غيله ... كبرا، وأوباش السباع تردد
والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد
والنار في أحجارها مخبوأة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند
والحبس ما لم تغشه لدنية ... شنعاء نعم المنزل المستورد
بيت يجحد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحفد
لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا يستذلك بالحجاب الأعبد
ومما أحسن فيه قوله:
خليلي ما أحلى الهوى وأمره ... وأعلمني بالحلو منه وبالمر
بما بيننا من حرمة هل رأيتما ... أرق من الشكوى وأقسى من الهجر؟
وأفصح من عين المحب لسره ... ولاسيما إن أطلقت عبرة تجري
Page 86