Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ولم نستمع من واعظ ومذكر ... فينجع فينا وعظ ناه وآمر
فنبكي على الإسلام لما تقطعت ... رجاه، ورجى خيرها كل كافر
فأصبح بعض الناس يقتل بعضهم ... فمن بين مقهور ذليل وقاهر
وصاررئيس القوم يحمل نفسه ... وصار رئيسا فيهم كل شاطر
فلا فاجر للبريحفظ حرمة ... ولا يستطيع البر دفعا لفاجر
فمن قائم يدعو إلى الجهد عامدا ... ومن أول قد سن عنا لآخر
تراهم كأمثال الذئاب رأت دما ... فأمته لا تلوي على زجر زاجر
إذا هم الأعداء أول منزل ... بسعيهم قاموا بهدم الأواخر
فأصبحت الأغتام بين بيوتهم ... تحثهم بالمرهفات البواتر
وأصبح فساق القبائل بينهم ... تشد على أقرانها بالخناجر
فنبكي لقتلى من صديق ومن أخ ... كريم، ومن جار شفيق مجاور
ووالدة تبكي بحزن على ابنها ... فيبكي لها من رحمة كل طائر
وذات حليل أصبحت وهي أيم ... وتبكي عليه بالدموع البوادر
تقول له: قد كنت عزا وناصرا ... فغيب عني اليوم عزي وناصري
وأبت لإحراق وهدم منازل ... وقتل وإنهاب اللهى والذخائر
وإبراز ربات الخدور حواسرا ... خرجن بلا خمر ولا بمآزر
تراها حيارى ليس تعرف مذهبا ... نوافر أمثال الظباء النوافر
كأن لم تكن بغداد أحسن منظرا ... وملهى رأته عين لاه وناظر
بلى، هكذا فإذهب حسنها ... وبدر منها الشمل حكم المقادر
وحل بهم ما حل بالناس قبلهم ... فأضحوا أحاديثا لباد وحاضر
أبغداد، يا دار الملوك، ومجتنى ... صنوف المنى، يا مستقر المنابر
ويا جنة الدنيا، ويا مطلب الغنى ... ومستنبط الأموال عند المتاجر
أبيني لنا: أين الذين عهدتهم ... يحلون في روض من العيش زاهر؟
وأين الملوك في المواكب تغتدي ... تشبه حسنا بالنجوم الزواهر؟
وأين القضاة الحاكمون برأيهم ... لورد أمور مشكلات الأوامر؟
أو القائلون الناطقون بحكمة ... ورصف كلام من خطيب وشاعر
وأين مراح للملوك عهدتها ... مزخرفة فيهاصنوف الجواهر
ترش بماء المسك والورد أرضها ... يفوح بها من بعد ريح المجامر
وراح الندامى فيه كل عشية ... إلى كل فياض كريم العناصر
ولهو قيان تستجيب لنغمها ... إذا هو لباها حنين المزاهر
فما للملوك الغرمن آل هاشم ... وأشياعهم فيها اكتفوا بالمفاخر
يروحون في سلطانهم وكأنهم ... يروحون في سلطان بعض العشائر
تخاذل عما نالهم كبراؤهم ... فنالهم بالكره أيدي الأصاغر
فأقسم لوأن الملوك تناصروا ... لذلت لها خوفا رقاب الجبابر
Page 28